عشرة تصورات مختلفة ل ” المواطن المثالي ” عبر التاريخ :

the-mutilation-of-uranus

 عشرة تصورات مختلفة ل “المواطن المثالي” عبر التاريخ:


على مدار التاريخ والعقود يحاول الكتّاب والفلاسفة والسياسيّون وضع تصوراتٍ مختلفة للمواطن المثالي والإنسان الأفضل المتطور، وبمرور السنين وتعاقب الأجيال بدأت نظرتنا لتلك الآراء والتصورات الفلسفية تختلف، فبعض تلك التصورات لم تكن فقط “غير مثالية” بل مرعبة بشكل ما!

«Ubermensch – الرجل الخارق والجنس الأسمى»:

تسمى هذه النظرية بالألمانية Ubermensch ولها ترجمات عدة تدور حول نفس الفكرة مثل الرجل الخارق، الإنسان المتفوق والسوبرمان. و كان أول ما ظهرت تلك الكلمة عند الفيلسوف نيتشه في أيام مراهقته إلا أنها كانت مبهمةً له نوعاً ما، حتى تطور مفهومها عنده وأصبحت نظريةً مكتوبةً لأول مرة عام 1880 في كتابه الأشهر “هكذا تكلم زرادشت – Thus Spoke Zarathustra”، وبعدها بعقود في عهد الرايخ الألماني الثالث تمت سرقة الفكرة واقتُبست ملامحها لتكون شعار النازية وعقيدتهم، حيث أقروا بأن العرق الآري Aryan race هو الأسمى والسلالة الأكثر صلاحية لتكون الأمة الخارقة والمتفوقة على باقي الأعراق والأجناس الأخرى.
بحسب معتقدات نيتشه في كتاباته فإن الإنسان الخارق له خصائص وتراكيب معقدة تميّزه عن باقي البشر، فهو بطبعه مستبدٌ في الحكم لكنه بحكمته العليا يتغلب على ذلك ويعمل مع أقرانه جنباً إلى جنب لهدف موحد أسمى وأعلى للجميع. هو بطبعه أيضاً متوازن، يعادل بين الأمور ولديه القدرة على توحيد المفاهيم بداخله وعلى درايةٍ عُليا بها مثل العاطفة، والأسباب، وحتى المفاهيم المتناقضة مثل النظام والفوضى. ولأنه يتمتع بتلك القدرات المتفرّد بها فهو مسؤول بشكل كامل عن العالم من حوله وله دور محوري فيه. وحيث أنه المسؤول عن كل شئ فذلك سيؤدي إلى تحمّله مسؤولية كل شئ وتبعاته ولن يُلام أي أحدٍ سواه مثل لوم الإله أو الشيطان أو المسيحيين أو اليهود.
ويُضيف نيتشه بأن الرجل الخارق هو بالأساس مفكّر حر ويؤمن بالعالم الحر، ولديه القدرة على تطوير البشرية والنهضة بهم، وبإمكانه إزالة الخلافات وتعميق العلاقات بين الشعوب بعيداً عن السياسات والأنظمة الحاكمة وتحت شعار المساواة للجميع. تدل كتابات نيتشه عن الرجل الخارق بأنه يريد خلق حلول للبشرية كلها وعلى مستوىً كبير، مما جعل الفكرة مغرية لقادة النازية آنذاك. بل أنهم قد أضافوا مصطلحاً جديداً آخر لنظرية نيتشه وهو Untermensch ومعناه الإنسان الأدنى وهو تماماً عكس الرجل الخارق. ومن كتابات نيتشه نعرف أن نظرته للإنسان الأدنى هو مجرد أحد الخراف في القطيع الذين يتم اقتيادهم بسهولة. فيما اعتبره النازيون أقل شأناً حتى من الخراف ولا يستحقون سوى الفناء.

10-nietzsche

«The Randian Hero – البطل الراندي (نسبة للكاتبة والفيلسوفة آين راند)»:

لك حرية الرأي الكاملة في أعمال الكاتبة آين راند Ayn Rand، لكن لا يمكنك بأي حال تجاهل حقيقة أن أعمالها قدمت إسهامات فلسفية رائدة في عدة قضايا جدلية مثل تعريف النجاح والمثابرة والحياة والحالة البشرية. وقد جسدت أفكارها عبر معظم أعمالها حتى أنه أصبح مصطلح “راندي – Randian”  يطلق للدلالة على أبطال – وأحيانا أبطال مخالفين للعرف Antiheros – وشخصيات أعمالها الذين ينطقون بأفكارها وفلسفتها التي تنادي بها.
على غير العادة، فإن تصوّر راند للإنسان المتفوق المثالي ليس له علاقة من قريب أو بعيد بالصفات الأمريكية للإنسان المثالي، حيث يفتقر أبطالها لصفاتٍ مثل عدم الأنانية، والتضحية، والطيبة والصلاح المتأصلة في الإنسان، وفي المقابل هم بالأغلب ذوو نفوذ قوي ومراكز قوة في عالم المال، ويسعون للعظمة والجاه، ولديهم من المثابرة لأن يكونوا على قمة المؤسسات الكبيرة منفردين وأعلى جبال الأموال المكدسة من تحتهم.
وبذلك نجد كلام راند عن الإنسان منطقياً نوعاً ما، ففي رأيها أن الإنسان الراقي والأمثل يجب أن يعيش لهدف واحد أسمى فقط وهو نفسه، وأن الطمع في سبيل الذات هو صفة حميدة وليست بخطيئة. فمن المنطقي برأي راند أنك إذا كنت ذا ثروة كبيرة وتسعى لزيادتها وازدهارها والحفاظ عليها فلا ضير أبداً من فعل أي شيء مهما تكلّف في سبيل ذلك. و تتلخص فلسفتها على لسان أحد أبطالها “الرانديين”: كُن رأسمالي واطمع في ذلك بشدة، وسوف تأتيك السعادة بكل سهولة وبدون أي تعب.

9-rand-atlas-hero

«The Knight of Faith And The Knight of Resignation – فارس الإيمان وفارس التضحية والاستسلام»:

يعتبر سورين كيركجارد Søren Kierkegaard الفيلسوف الدنماركي علامة فارقة في تاريخ الفلسفة عامة وفي رؤيتنا للعالم من حولنا خاصة، وذلك عن طريق فارسَيه، “فارس الإيمان” و “فارس الاستسلام”. و قد عبر كيركجارد عن فلسفته بواحدة من كتاباته عن أجاممنون Agamemnon وعن إبراهيم Abraham، وهما من طُلب منهما التضحية بأحد أبنائهم كما يُخبرنا التاريخ.
في قصة أجاممنون الملحمية كان عليه التضحية بإحدى بناته إفيجينيا Iphigenia حتى تهدأ الرياح و تنعكس لتكون في صف الأسطول المحارب المتجه إلى طروادة لتبدأ تلك الحرب الشهيرة. موقف أجاممنون هنا استشهد به كيركجارد كنموذج للفارس المستسلم استسلاماً مطلقاً. فقد أوقعته مقاليد الأمور لأن يكون بين شِقيّ رحى وهما إما التضحية بابنته أو خيانة قومه، لكنه اختار الغاية الأسمى والمنفعة الأكبر، وبذلك فقد استسلم لدوره المطلوب منه في دورة الحياة.
في قصة إبراهيم نجد الأمر مختلفاً وللموقف أبعاد أخرى. فهنا يخبرنا كيركجارد أن الرب يطلب من إبراهيم التضحية بابنه الوحيد إسحٰق Isaac. ورغم تشابه موقفه المعقد وموقف أجاممنون إلا أنه تميز عنه بالتحلّي بالإيمان المطلق. فعندما أخذ إسحٰق لقمة الجبل كي يتم التضحية به لم يساوره أدنى شك أو لحظة تردد فيما يفعله، ولم يكن لديه استسلام أجاممنون وحيرته، ولكن إيمان مطلق بربه وهو في ذاته تضحية أخرى مقابل إيمانه.
و بذلك نستنتج أن كيركجارد اختار قمة الشجاعة الممكنة في هاتين القصتين، ففارس الإيمان لديه، يصبّ كل دوافعه وإرادته لهدف واحد أسمى وخارج عن عالمه المألوف، وعلى الجانب الآخر، فارس الاستسلام المطلق لديه من الشجاعة والجرأة الكافية لتحمّل عبء العالم كله على كتفيه.

8-abraham-sacrifice-son

«Junzi – جونزي»:

بحسب كونفوشيوس Confucius والمعتقدات الصينية فإن “الجونزي” هو الإنسان المثالي والغاية لكل فرد. ولنكون أكثر تحديداً فمفهوم الجونزي يختلف من شخص لآخر، فالجونزي هو سقف ما تستطيع أن ترتقي به من خلال أخلاقك وأفعالك النبيلة. فالجونزي ليس مجرد شخص متفوق وأسمى من الباقين بل هو شخص فعّال ومتفاعل بنفسه.
هناك ما يسمي بالشيجرين Shegren وهي الحكمة المطلقة، وتعتبر الشيجرين هي أسمى ما يمكن لشخصٍ الوصول إليه في المطلق ولذلك فهي من أصعب المراحل، وتحتاج منك أن تكون قدّيساً ولديك من الحكمة ما يؤهلك لها. لذلك تكون الجونزي هي الحل الأمثل للكل وفي العموم. حينما استخدم كونفوشيوس تعبير جونزي في البداية كان في الحقيقة يصف أحد أبناء الأمراء أو أميراً معاصراً له، وحينما بدأ المصطلح والفلسفة الكامنة فيه بالانتشار، أصبح عندها الجونزي مرادفاً لكل شخص يحاول ويسعى جاهداً التغيير للأفضل والأصلح.
وعلى الرغم من ذلك فإن تلك المثالية الساعي لها الإنسان يجب أن تعكس أيضاً علاقة الفرد بحكومته ومجتمعه والمحيطين به. وبحسب تعاليم كونفوشيوس فإن الجونزي – هناك نقيضٌ للجونزي وهو التسياو رين Xiǎo rén – لا بد أن يعكس ويجسّد خمس فضائل أساسية وهي: مشاركة الخير مع الآخرين Ren، السعي للمعرفة والحكمة Zhi، الجدارة بالثقة لمن حوله Xin، الاستقامة Yi، ممارسة الأفعال والشعائر الدالة على الأمانة والاستقامة Li.
ونستطيع القول في المجمل أن الإنسان الأمثل في نظر كونفوشيوس هو من يتفوق على نفسه ويعرف جيداً مسؤولياته وموقفه من الحياة أياً كان وضعه، ويتصرف على إثرها بالطريقة المثلى.

7-confucius

«The New Soviet Man – الرجل السوفييتّي الجديد»:

ظهرت فكرة “الرجل السوفيتي الجديد” عام 1917 لتحث وتلهم العامة من الشعب على المضي قدما لتحقيق الإنجازات. الفكرة بذاتها وليدة الشيوعيين وقتها والتي تعكس اتجاهاً واضحاً في سياستهم العامة لجعل الأفراد من الشعب قوة عاملة فعّالة تجاه دورهم في المجتمع.
هذه الفكرة مستوحاة جزئياً من أفكار نيتشه بشأن “الرجل الخارق” أو السوبرمان، و تم تطويرها لتناسب وضع الاتحاد السوفيتي وقتها والذي بدوره بدأ بسياسة الإحلال والتجديد على مستوى الأفراد والأفكار العامة على السواء. ومن مراجعة “بيان الحزب الشيوعي The Communist Manifesto” لكارل ماركس نجد أنه يعتمد بصفة أساسية على القوة الاقتصادية، فطبقاً للينين Lenin فإن السبيل الوحيد للشيوعيين كي ينهضوا بالبلاد والوصول بها لمرحلة المدينة الأسمى الفاضلة “يوتوبيا Utopia” هو أن يتم القضاء على القيود المجتمعية وتحويل العامة من الشعب إلى “الرجل السوفييتي الجديد”.
يتسم “الرجل السوفيتي الجديد” بأنه متحكم بمشاعره وعواطفه ولديه السيطرة التامة عليها، وهو أيضاً يحتوي بداخله على طاقة لا نهائية، وبذلك فهو غير مدفوع بتلك المشاعر الأولية والفطرية. وقد قام تروتسكي Trotsky بتعريف تلك الحالة من التحكم بالمشاعر على أنها تحتاج لـ “شخص أرقي بيولوجياً”، وقد عارض تروتسكي كل من رفض الفكرة ورفض هذا التطور الساعية له الحكومة الشيوعية آنذاك. وفي رأيه فإن هؤلاء المعارضين هم بغيضون ومخفقون ومقيتون بصورة تجعلهم أناساً متخلّفين رجعيين بنفس المنطق الذي يصور به “الرجل السوفييتي الجديد” على إنه متطور متفوق وأرقى.
على الرغم من ذلك كله فإن تلك الفكرة لم تستقطب أي تأييد، حتى من عمّال الطبقة العاملة الذين تم ترقيتهم ليشغلوا مناصب حكومية وذلك لكسب ولائهم وتأييدهم، فقد أصبحوا منزعجين وغاضبين من تلك البرامج المختلفة والأبحاث الجينية لتخليق جينات وراثية معدّلة مناسبة للرجل السوفييتي الجديد.
بحلول عام 1920 أخذت فكرة “الرجل السوفييتي الجديد” منحنى آخر بقيادة ستالين Stalin. فقد كان تركيزه آنذاك على القوة الصناعية وتهيئة الطبقة العاملة لتكون الأمثل خلف التفوق والترقي للإتحاد السوفيتي وشعاره: المصنع. فالاتحاد السوفيتي كان آلة، الطبقة العاملة فيها هي أفضل أجزائها والتي تستطيع وحدها تحقيق المدينة الفاضلة على أرض الواقع، بصورة أخرى نستطيع القول كان الاتحاد السوفييتي مثل آلة تدور أجزاؤها بتناغم لتحقق الحلم المستحيل بالمدينة الفاضلة.

6-new-soviet-man-woman

«The Political Soldier – الجندى السياسي»:

عندما نجح اليمين المتطرف بالاستحواذ على الجبهة الوطنية البريطانية، بدأت فكرة الجندي السياسي بالظهور والانتشار وسط قطاعات بعينها من الشعب. في عام 1984 قام ديريك هولاند Derek Holland بكتابة وتوضيح معالم تلك الفكرة في منشور تحت نفس الاسم “الجندي السياسي”.
طالب ديريك بأن يكون هناك فئة هي نخبة من المحاربين وصفوتهم يضعون معتقداتهم الدينية والروحية فوق أي اعتبار، ومستعدون للتضحية حتى الموت والمحاربة من أجل معتقداتهم وما يؤمنون به. وقد قام ديريك بربط فكرة “الجندي السياسي” مع الأصول التاريخية للقادة الرومانيين وفرسان المعبد، والذين بحسب ديريك لم يقدر على إيقافهم سوى الموت.
قام هولاند بمهاجمة التحالف بين الرأسمالية والشيوعية، ودافع عن قضايا مثل ليبيا وفلسطين، وقد طالب أيضاً بالطرد الشامل لليهود الصهاينة والتخلص من التأثير الإعلامي لما أسماه بـ “الشعوب المستعبدة Enslaved Nations”. لكن كان “الجندي السياسي” هو صدر معاركه وفوق كل قضاياه الأخرى.
ُعُرف الجندي السياسي أيضاً بعدة ألقاب أخرى منها القدّيس المحارب the Warrior Saint، مُبشّرو النظام العالمي الجديد the herald of a new world order، و”الجيّد، المُخلص، العفيف، النقي والمثير للإعجاب ” Good and the True, the Pure and the Admirable “.
في عام 1994 قام هولاند بتعديل منشوره الأول “الجندي السياسي” ودعا فيه لحرب مقدسة وإلى نوعية الرجال الذين يحتاجهم العالم، فهم يجب أن يكونوا على قدرٍ عالٍ من الالتزام والانضباط، قضيتهم واحدة مخلصين لها، وعلى استعداد أن يضحوا بأرواحهم في سبيل أن يحققوا غايتهم والسعي وراءها، حتى إن تطلب الأمر مهمات انتحارية وأن يذهبوا بالمتفجرات بأنفسهم لقلب الأعداء.
برأي هولاند لابد من وجود كتائب وجماعات كبيرة من الجنود السياسيين لمواجهة شرور العالم المتمثلة في الرأسماليين والماسونيين والشيوعيين والصهاينة.

5-national-front

«Mussolini’s Fascist New Man – موسوليني والفاشيين الجُدد»:

مع صعود نجم بينيتو موسوليني Benito Mussolini أصبح لدى الحركة الفاشية في إيطاليا الرغبة في التطوير والسعي لمرحلة جديدة أسمى تتطلب رجالاً ذوي مواصفات خاصّة لتلك المرحلة، فيساهموا في النهوض بالحركة الفاشية ووضعها في مكانها المستحق، هؤلاء الرجال لهم سمات الانضباط والنظام وذلك عبر سلسلة من التدريبات الكافية لتؤهلهم لأن يكونوا متمرسين وأقوياء في أي معركة.
كان للياقة البدنية و شكل الجسم أيضاً نصيب من مخطط “الفاشيين الجُدد” حتى أنك تجد ستاد موسوليني Foro Mussolini مُحاط بتماثيل عارية لأبطالٍ رياضيين إيطاليين ذوي قوام ممشوق وأجسام رياضية، ممثلين لكل أقاليم ومقاطعات إيطاليا، وذلك في محاولةٍ من النظام الفاشي آنذاك لترك الانطباع بأن إيطاليا كلها تتحد لهدف واحد وفكرة واحدة. إن فكرة الفاشيين الجدد ليست لخلق أبطال متفوقين في الحرب والقتال فقط، بل لها هدف وغاية أعمق من ذلك، وهو استعادة أهم عنصر يميز الفاشيين الجدد ألا وهو استعادة أمجاد إيطاليا وروح تاريخها العريق.
إن فكرة الفاشيين الجدد في مجملها فكرة ذات أبعاد كثيرة ومتباينة، فنجدها فكرة تأمّلية وجريئة، حازت على الثقة، ولاقت قبول الشعب، غير أنها فكرة قابلة للتطبيق في الواقع، إلا أنها خيالية أيضاً بالمقام الأول ولها عدد لا نهائي من الاحتمالات على أثرها في المستقبل.
تولي الجيش مسؤولية مشروع “الفاشي الجديد” والذي كان يرتكز على المعايير الأصلية وقت اليونان القديمة وروما. لقد رأى موسوليني في نفسه الرجل الذي سيكتب تاريخ إيطاليا الجديدة مرتكزةً على مواطنيها وشعبها المثاليين، الذين هُم في نظره مثل قطعة طين بانتظار تشكيلها أو ورقة بيضاء في انتظار من يكتب عليها، على أن تكون هذه مهمته.

4-mussolini-blackshirt-youth

 

«The Philosopher King – الملك الفيلسوف»:

يثير كتاب “الجمهورية The Republic” لمؤلفه أفلاطون Plato واحداً من التساؤلات المهمة على مر العصور: ما الذي يميز القائد الناجح؟
على لسان بطل كتابه وهو أستاذه سقراط Socrates يوضح أفلاطون أن القائد البارع الناجح يجب أن يكون له شخصية الملك الفيلسوف، فهو لديه كل الإمكانيات المتاحة ليحكم أي مدينة بكفاءة تامة، ولديه من البصيرة ما يؤهله لدراسة المواقف المختلفة وكشف حقائق الأمور عن طريقة المعرفة والحكمة المتحلي بهما. يخبرنا أيضاً أن الملك الفيلسوف لديه شغف المعرفة وحب التعلم ويكره الأشياء المخادعة.
يتهم أفلاطون في كتابه التعليم والمجتمع المحيط لما آل إليه أكثر الفلاسفة والحكام من سوء ورداءة، فبالتعليم الجيد يستطيع الفيلسوف أن ينطلق في الطريق الصحيح  وأن يصبح معلماً وقائداً ملهماً ناجحاً.
يشدد أفلاطون على ضرورة أن يكون الأوصياء على الحكم دارسين للشعر والموسيقى والرياضيات وعلم الفلك وعلم الأصوات الموسيقية وعلوم الفيزياء. ويجب عليهم أيضا دراسة علم المنطق، مما يؤهلهم لمعرفة الحقائق وأشكال الحق وهي معرفة تتنامى مع الفرد وإحساسه الداخلي وينعكس أثرها على كل من له صلة بها أو يتعرّض لها. بعد كل ذلك لا يحتاج المرء سوى 15 عاماً من التدريب السياسي حتى يصبح مؤهلاً للقيادة والحكم للمدينة.
يخبرنا أفلاطون بأن المشكلة الأساسية التي ستواجه أياً من الملوك الفلاسفة هي حقد العامة عليه والأعمال العدائية تجاهه. ونتيجةً لذلك يقترح أفلاطون على أي حاكم جديد لمدينةٍ ما أن يشرع في إعمارها وإعادة بنائها وتدريس مختلف العلوم وفروع المعرفة لنشرها وإثراء ثقافة الفضيلة والأفعال الجميلة.

3-plato-philosopher-kings

 

«The Utopian Socialist New Man – الاشتراكيون الخياليون الجُدد»:

إن نظرية الإنسان الحديث في ضوء الاشتراكية غريبة نوعاً ما. ترجع بدايات القصة إلى العام 1950 في الصين تحديداً وقت أن قامت الصين بإعادة هيكلة مجتمعها على أثر الفكر الاشتراكي، حيث يعمل الجميع معاً لعمل كل شئ فبذلك نظرياً هم أحجار الأساس لذلك المجتمع الجديد. فكل من ترعرعوا و نشأوا في ذلك الجو الاشتراكي من صغرهم و شهدوا هذا التحول المجتمعي نستطيع أن نصفهم بالاشتراكيين الجُدد، حيث يعمل الجميع سواسية من أجل الهدف الواحد.
كان لتشارليز فوريير Charles Fourier رأي آخر بشأن فكرة الاشتراكية الخيالية، فبرأيه أن العقبة الأكبر لنجاح الاشتراكية هي التغلب على الرتابة وعدم التجديد. فقد قام باقتراح أن يقوم المجتمع على مجموعات عمل (كتائب عمل) Phalanxes، وتقوم تلك المجموعات بتبادل المهن المختلفة والأعمال بدقة وإحكام تشبه العسكرية حيث يستطيع العمّال الإبداع والتغيير وذلك سيؤثر إيجابيا على معدل نمو وازدهار العمل. فبحسب فوريير فإن تلك الطريقة تضمن السعادة للعامل وتزيد من إنتاجيته مما سينعكس بكل تأكيد على المجتمع وعلى تطوره وتقدمه.
استكمالاً لغرابة قصة الاشتراكية الخيالية فإن فوريير مؤمنٌ بأن تلك المجتمعات ستنهض وترتقي بأفرادها لأبعد الحدود فكرياً، وعلى المستوى البدني فإن متوسط أطوال الرجال والنساء سيكون 215 سم و متوسط الأعمار سيكون 144 سنة. سيكون للاشتراكيّ الحديث مقاومة أكبر للألم وسيتمكن من تبديل أسنانه على مدار العمر، وبعد حوالى 16 جيل من ذلك المجتمع الخيالي سنتطور إلى ما يطلق عليه “هارمونيان Harmonian” وسيكون هناك تناغم أكبر وتواصل بين الرجال والنساء وسيصل مدى التطور لأن ينموَ لهم ذيول!.
لم يتوقف الحديث عند هذا، بل مبشراً بالذيول ذات الـ 144 فقرة، فإنه باستطاعتنا وقتئذٍ استخدامه للسباحة مثل الأسماك، تسلق الأشجار بكل سهولة كأننا نفعل هذا منذ زمن. هل نكتفي بهذا ؟ لا أعتقد، فهناك الجزء الخاص بتلك اليد الصغيرة التي ستنمو في نهاية الذيول، والتي سنستطيع بها الكتابة ولعب الموسيقى أيضاً.

2-phalanx

 

«The unknown Citizen – المواطن المجهول»:

أهدى الشاعر ويستن هيو أودين W. H. Auden للعالم واحدةً من أعظم أعماله الشعرية “المواطن المجهول The Unknown Citizen”، تتحدث القصيدة عن المواطن المُتوفى JS/07 M 378 والذي أقامت له الدولة نصباً رخاميّاً كشاهدٍ لقبره. في جو درامي حزين وعلى نحو مؤثر وبشكل لاذع يقوم أودين بوصف ما كتبته تلك الدولة على شاهد القبر لذلك المواطن المجهول وحقيقة علاقة الدولة به بمختلف أجهزتها ولماذا هو المواطن المثالي في نظرها.
تُخبرنا الدولة بأن حسب مكتب الإحصاء لها، فإنه لم يقم أحد بأي شكوى ضده، وعلى مدار حياته قد قام بجميع أعماله التي أوكلت إليه بشكل مُرضٍ، لقد كان مُحبّاً للشراب ولديه بعض الأصدقاء. كان يقرأ الجريدة ويتابع الإعلانات المختلفة، وعلى الرغم من ذهابه للمستشفى مرة واحدة في حياته فقد كان لديه تأمين صحيّ، وكان معافىً وبأتمّ صحة.
كان لديه ما يلزمه من وسائل الترفيه الحديثة وأساسيات الحياة ولم يُنفق الكثير في ذلك. كان دائماً من مُحبي السلام والداعمين له وقت السلم، ومشجعاً على الحرب ومؤيداً لها وقت الحرب. إن JS/07 M 378 كان دائماً منحازاً لرأي الأغلبية، كان متزوجاً، ولديه العدد المضبوط من الأولاد. لقد كان المواطن المثاليّ بحق.
كما تستطرد القصيدة أكثر عن علاقة JS/07 M 378 والدولة التى يعيش بها. نجد أن كل هذا قد جعله مواطناً حراً سعيداً وإلا كنّا قد سمعنا عنه في غير هذا الموضع، ففي هذه القصيدة يُوضح لنا أودين بحسب أفكاره أن الإنسان المثالي ليس ذلك الذي يغير العالم، لكنه ذلك المجهول المغمور، مجرد ترس يدور بلا مشاكل في آلة المجتمع العملاقة.

1-auden


إعداد: محمد عرفة
تدقيق: جعفر الجزيري
المصدر

أحب البحث عن الجمال في الأشياء، خاصة في التفاصيل، و الأشياء البسيطة، مينيماليست، زمالكاوى، رواياتي، و محب للكوميكس و علوم الفضاء