ثماني مسائل فلسفية عميقة لن نتمكن من حلها على ما يبدو

1803z54utw4z8jpg

ثماني مسائلَ فلسفيّة عميقة لن نتمكّن من حلّها على ما يبدو


تتطرّق الفلسفة لمواضيعَ لا تبلغها العلوم الطبيعية أو حتى لا ترغب بطَرقِها. وللفلاسفة أن يخمّنوا بخصائص الأشياء ابتداءً من الميتافيزيقا ومرورًا بالأخلاق، ما يعني أنه بمقدورهم تسليط الضوء على بعض المسائل الأساسية المتعلّقة بالوجود. ولكن ثمّة أخبار غير طيّبة: هذه الأسئلة قد تبقى دائماً خارج نطاق إدراكنا لها.
وفيما يلي ثماني مُعضِلاتٍ فلسفيّة قد لا نجد لها حلاً أبدًا.

1- لماذا ثمّة وجود بدلاً من العدم؟

1

يُشكّل وجودنا في هذا الكون غَرابةً ليس للكلمات أن تُحيطَ بها. وتُعمي رتابةُ حياتنا اليومية أبصارَنا عن حقيقة الوجود. ولكن من حينٍ لآخر ننزلقُ خارجَ حالة الرضا عن الحياة لندخلَ في حالة عميقةٍ من الإدراك الوجوديّ، ونتساءل: “لماذا توجد جميع هذه الظواهر في الكون؟ ولماذا تنتظم حسبَ قوانين بالِغة الدِقّة؟ ولماذا ثمّة وجودٌ أصلاً؟”

نحن جزءٌ مِن كونٍ شاسعٍ يضمّ في ثناياه ظواهرَ كالمجرّات الحلزونية، الأضواء القطبيّة الشماليّة aurora borealis، وشخصيات كرتونية مثل سبونج بوب!

وبهذا الخصوص، يقول عالم الكونيّات والفيزياء البروفيسور شون كارول Sean Carroll: “لا شيءَ في الفيزياء الحديثة يستطيع أن يقدّم لنا تفسيراً عن وجود منظومة القوانين الكونيّة هذه بدلاً من منظومة أخرى مختلفة. وكلام الفيزيائيين أحياناً –بخلاف ذلك- هو خطأ بإمكانهم تفاديه لو أنهم أخذوا الفلاسفة على مَحْمل الجَدّ.”

وأماّ الفلاسفة بدورهم فجُلُّ ما استطاعوا تقديمه بهذا الشأن هو “المبدأ البشري the anthropic principle” والذي ينصّ على أنّ الكون يبدو على ما هو عليه بفضل وجودنا داخله وملاحظين له. وهذا الاستدلال عبارة بمعنى دائري tautological مُتحذلقة.

2- هل الكون الذي نعيش فيه حقيقي؟

2

وهذا هو السؤال الديكارتي التقليدي. ومضمون السؤال هو: كيف لنا التيقّن أنّ ما نراه حولنا هي أشياء حقيقية وليست خدعةً كبرى تقوم بها ضدّنا قوّة غيبيّة ما –والتي أشار إليها رينيه ديكارت مُفترِضاً باسم الشيطان الماكر؟ وفي زمننا المُعاصر أُعيدت صياغة السؤال بمشكلة “الدماغ في وعاء” أو فرضيّة المُحاكاة. فمن المحتمل أن نكون مجرّد أدواتٍ في عمليّة مُحاكاةٍ مُعقّدة. وهذه بدورها تُثيرُ سؤالاً على درجة متقدّمة، وهو فيما إذا كانت الحضارة التي تُدير المحاكاة هي نفسها جزءاً مِن عمليّة محاكاة –شيء مشابه لتراجُع كمبيوتر عملاقٍ (أو وهم المُحاكاة simulationception). بالإضافة لجميع ذلك، قد لا نكون نحن ذواتُنا مَن نظنّ أنفسَنا. والفرض قائِمٌ أن يكون أولئك الذين يُديرون المُحاكاة هم أيضاً مُشترِكين بها، ولذا فقد تُكْبت ذواتُنا مؤقّتاً لكي يتمّ تعزيز واقعيّة تجربة المُحاكاة. وتدفعنا هذه الأُحجية الفلسفيّة لإعادة النظر بما نقصده بمفهوم “واقعي”. ويقدّم دُعاة الواقعية الشكليّة الفرَض القائلَ أنّ الكون من حولنا إذا بدا لنا أنّه منطقيّ (وليس نتاج حلم، ولا غير مترابط، ولا تسوده الفوضى) فما مِن خيارٍ أمامنا سوى التسليم بأنّ الكون حقيقي أصليّ. وربّما يكون الأمر برمّته كما لخّصه “سايفر Cypher” في فيلم ماتريكس عند تناوله قطعة لحمٍ تمّت مُحاكاتها: “الجهل نعمة”.

3- هل نمتلك إرادةً حُرّة؟

3

وتسمّى هذه أيضاً مُعضلةَ الجَبر (الحتميّة)، فنحن لا ندري فيما إذا كانت أفعالنا محكومةً بسلسلة سببيّة من الأحداث السابقة -أو بمؤثّر خارجي- أو إذا كنّا حقًا فاعلين أحرارًا نتّخذ قراراتنا بأنفسنا. قام الفلاسفة -وانضم إليهم بعض العلماء مؤخراً- بمناقشة هذه المعضلة منذ ألوف السنين، دونما نهاية تلُوح على المدى المنظور.

فلو أن قراراتنا تتأثّر بسلسلة لا مُتناهيةٍ من السببيّة، هذا يعني أن الجَبر حقّ، وأننا لا نملك إرادة حرّة. ولو كان العكس صحيحاً، فهذا يعني اللا-حتميّة، ولا بُدّ أن أفعالَنا عشوائية -وهي فكرةٌ تُنافي الإرادة الحرة، كما يقول البعض.

وعلى الجانب الآخر، فالمؤمنون بالإرادة الحرّة libertarians يقدّمون مبدأ التوافُق compatabilism والذي يعني أن الإرادة الحرّة متوافقة منطقياً مع النظرة الحتميّة للكون.
وممّا أسهم في تعقيد المشكلة هي الطفرات في علم الأعصاب والتي أظهرت أن أدمغتَنا تتخذ القراراتِ حتى قبل إدراكنا بالعملية. وإذا لم يكن لدينا إرادةً حرّة فلماذا تطوّر الوعي لدينا بدلاً من عقولِ الزومبي zombie؟

وزادت ميكانيكا الكمّ في تعقيد الأمر أكثر فأكثر بافتراضها أنّنا نعيش في عالمٍ مفتوح الاحتمالات وأنّ الحتميّة من أيّ نوعٍ مَحض استحالة. وكما قال ليناس فيبستاس Linas Vepstas: “يبدو أنّ الوعي مرتبطٌ بشكلٍ وثيق بإدراك مرور الزمن، وكذلك بفكرة ثبات الماضي وحتميّته، ومجهوليّة المستقبل. وهذا منسجمٌ تماماً، لأنه لو كان المستقبل حتمياً فلن تكون هناك إرادة حرة، وما من هدف للمشاركة في مرور الزمن.”

4- هل الإله موجود؟

4

باختصار، فلسفياً لا يمكن معرفة وجود الإله من عدمه. وكِلا الطرفَين (ملحدِين ومؤمنِين) مخطِئان في تقريراتهم، مقابل صحّة موقف اللاأدريّين؛ الذين ينحَون منحىً ديكارتياً في هذا الخصوص من خلال إقرارهم بالمشاكل المعرفيّة (الإبيتسمولوجية) ومحدودية الاستقصاء البشريّ. فليس لدينا معطياتٍ كافية عن آلية العمل الداخلية للكون تساعدنا على تقديم حجّة كبرى بشأن طبيعة وحقيقة -بل وحتى وجود- المُحرّك الأول (العلّة الأولى) في مكان ما.

وينصاع الكثيرون للمذهب الطبيعي الذي يُفيد بأن الكون يسير وفقاً لعمليات مستقلّة بذاتِها، مع أن ذلك لا ينفي وجود مصمّم أعظم سيّر الكون برمّته -وهذا هو مذهب الربوبية. وكما ذُكِر سابقاً، ربما كنا نعيش في مُحاكاة يقوم فيها آلهةٌ hacker بالتلاعب بمتغيّرات الواقع.

ولربما كان اللاأدريّون مُحِقّين بوجود كينونةٍ قادرة على مستوىً أعمق من الواقع لا نستطيع إدراكَها.

وليس بالضرورة أن تكون هذه الكينونة هي ذات الإله العالِم، القدير كما جاء في الديانات الإبراهيمية. ولكنها مع ذلك كينونة قديرة جَدَلاً. وهذه المسائل لا تنضوي تحت نطاق العلم على وجه الدقّة، بل هي تجارب فكرية أفلاطونية تدفعنا لمواجهة محدودية التجربة والاستقصاء البشري.

5- هل توجد حياة بعد الموت؟

5

قبل أن تدبّ الحماسة في البعض، ليس هذا مقترَحًا بأننا سينتهي بنا المطاف عازفين على قيثارة فوق غيومٍ بيضاء منفوشة، ولا جارفين للفحم في أعماق الجحيم أبد الآبدين.
وليس لنا أن نسألَ الموتى عمّا إذا كان ثمّة شيءٌ ما على الجهة الأخرى؛ لذا فنحن متروكون للتخمين عمّا سيحصل بعد الموت. ويفترض الماديّون ألّا حياةَ بعد الموت، ولكن يبقى هذا افتراضًا لا يَسَعُهم إثباتُه.

وبالتدقيق على آليّات عمل الكون (أو الأكوان المتعدّدة)، سواءً كان من وجهة النظر التقليديّة لنيوتن أو آينشتاين، أو عبر النظرة المخيفة لميكانيكا الكم، فلا يوجد سببٌ وجيه للاعتقاد أنّنا نحصل على فرصةٍ واحدة فقط لهذا الشيء المُسمّى “الحياة”. الأمر بكامله متعلّق بما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) واحتماليّة أنّ الكون (الذي بتعبير كارل سيجن Carl Sagan هو “جميع ما هو كائن أو كان أو سيكون”) يدوّر نفسه ويتسرّب بطريقةٍ تجعل الحياةَ أبدًا تعيد تدويرَ نفسها كذلك.

وعبّر الدكتور هانز مورافيك Hans Moravec عن الموضوع بأفضل طريقة ممكنة -عبر ربطه بالتفسير الكمّي لنظرية العوالم المُتعدّدة- قائلاً: “عدم ملاحظة الكون أمرٌ مستحيل؛ لا بُدّ وأن نجدَ أنفسنا أحياءَ ونقوم بملاحظة الكون بطريقةٍ أو بأخرى.

وهذا الأمر تخمينيّ هو الآخر، كما مسألة الإله، لا يَسَعُ العلم معالجتَه، فيُفسِحُ المجالَ للفلاسفة ليقولوا كلمتَهم.

6- هل بإمكانك حقاً أن تخوضَ تجربةً بموضوعية؟

6

هناك فرقٌ بين فَهم العالم بموضوعية (أو على الأقل، محاولة فهمه) وخوض تجربة العيش فيه حصريًا من خلال إطارٍ موضوعيّ. وهذه هي مشكلة الكيفيّات المحسوسة qualia -وهي الفكرة القائلة بأن محيطنا تتم ملاحظته من خلال فلتر حواسّنا وتدبُّر عقولنا. كلّ ما تعرف، كلّ ما لمست، رأيت، وشمَمت تمّ إدراكه بعدّة عمليّات فيزيولوجية أو معرفيّة. وبناءً عليه فتجربتك الذاتيّة للعالم فريدة من نوعها.

وفي المثال المشهور، فالإدراك الذاتيّ للّون الأحمر يختلف من شخصٍ لآخر. والطريقة الوحيدة التي يمكنك من خلالها المعرفة الأكيدة، هي أن تراقبَ الكون عبر “النظرة الواعية” لشخصٍ آخر، كما في حالة فيلم Being بطولة جون مالكوفيتش John Malkovich، وهو شيء من المرجّح أنّنا لن نستطيع تحقيقَه في أي مرحلةٍ من مراحل التقدم العلمي أو التكنولوجي.

وبكلمات أخرى، يُمكن ملاحظة الكون حصراً من خلال عقلٍ (أو ربما، عقلٍ آليّ) وبمقتضى ذلك، يتمّ تفسيرُه ذاتياً فقط. ولكن بما أن الكون يبدو مترابطاً ومعروفاً إلى حدٍّ ما، فلماذا نفترض أنّ كيفيّته الموضوعية الحقَّة غير قابلةٍ للملاحظة أو المعرفة؟

ويجدُر بالذِكر أنّ قسماً كبيراً من الفلسفة البوذية انبنت على هذا الحدّ (الذي تسمّيه “الفراغ”)، وشكّلت فرضيةً مضادةً لمثاليّة أفلاطون.

7- ما هو أفضل الأنظمة الأخلاقية؟

7

جوهرياً، لن نعمَدَ للتفريق بين مفهومَيّ العمل “الصواب” والعمل “الخاطئ”. ولكن في كل فترةٍ من فترات التاريخ يزعم الفلاسفة، وعلماء الدين، والسياسيون أنهم توصّلوا لأفضل الطُرُق لتقييم أفعال البشر وإقامة أكثر قواعد السلوك استقامةً. ولكن الأمر ليس بهذه البساطة. فالحياة أشدّ فوضى وأكثر تعقيدًا من أن يحكمَها مبدأ أخلاقي صالح لكل العالم أو أخلاقيّات مُطلَقة.

والقاعدة الذهبية تبقى عظيمةً (عامِل الناس كما تحبّ أن يُعامِلوك)، ولكنّها تُغفِلُ الاستقلالية الأخلاقية، ولا تترك مكاناً لتطبيق العدالة (كحبس المجرمين)، بل ويمكن تجييرها لتبرير الاضطهاد -ولذا كان الفيلسوف إيمانويل كانت من أشدّ المعارضين لها. وعلاوةً على ذلك، فهي قاعدة مُبسّطة لدرجة أنها لا تصلُح لسيناريوهات أعقَد. مثلاً، هل يجب التضحية بالقليل للحفاظ على الكثير؟ ومن الذي له قيمة أخلاقية أكثر: رضيعٌ بشري أم قردٌ أعلى بالغ؟

وكما أثبت علماء الأعصاب، فالفضيلة ليست فقط شيئاً مُتأصّل ثقافياً بل هي جزءٌ من نفسيّتنا (ومسألة العربة Trolly Problem هي خيرُ مثالٍ بهذا الخصوص.

-هل تحرف عربة قطار جامحة لإنقاذ خمسة أشخاص إذا كان حرفها سيقتل شخصاً واحداً؟

وقصارى القول، الفضيلة معياريّة، مع الإقرار بأنّ إحساسَنا بالصواب والخطأ يتغيّر مع مرور الزمن.

8- وما هي الأعداد؟

8

صحيحٌ أنّنا نستخدم الأعداد يومياً، ولكن لننظر إليها بشكلٍ متجرّد؛ ما هي الأعداد على وجه التحديد؟ ولماذا تقوم بعملٍ ممتاز بمساعدتنا في شرح الكون (كما هو الحال مع قوانين نيوتن)؟ ويمكن للبُنى الرياضية أن تتكوّن من أعداد، مجموعات رياضية، زُمَر، ونقاط هندسية. ولكن هل هذه أشياء حقيقية؟ أم أنها تقوم فقط بوصف العلاقات القائمة بالضرورة بين جميع البُنى الرياضية؟ وزعم أفلاطون أنّ الأعداد أشياء حقيقية ولا يُهمّ كونك لا تستطيع رؤيتَها. ولكن الشكلانيين (أصحاب المدرسة الشكلية) أصرّوا أن الأعداد هي مجرّد منظومات شكلية –عبارة عن تراكيبَ معرّفة بدقّة للفِكر المُجرّد المبني على الرياضيات.

وهذه بحدّ ذاتها مسألة أنطولوجية (وجوديّة)، حيث نقفُ حائرين بشأن حقيقة الكون وأيّ جوانبه هي تكوينات بشريّة human constructs وأيّها ملموسةٌ فعلاً.


ترجمة: رامي أبو زرد
تدقيق: جعفر الجزيري
المصدر


 

عابر سبيل يحاول إضافةَ حرفِ معقوليّة على صفحة هذا العالم المجنون قبل انتهاء الرحلة، مهتمّ بقضايا البعث الحضاري والترجمة والنقد، مترجمٌ متطوّع في فريق ليستات للأسباب السابقة :-)