عشر خرافات تاريخية عن اشهر الطغاة في عالمنا

9-saddam-hussein

عشر خرافاتٍ تاريخية عن أشهر الطُغاة في عالمنا


السلطة المطلقة تُفسِد مُطلقاً وبشكلٍ عجيب.
إن غرائبيّة ووحشيّة الطرق التي يتّبعها الطغاة عادةً ما تلقى صدىً غريباً، وربّما سهّل هذا للأفكار المغلوطة والخرافات أن تنبثق من قصصهم، لضياع الخطّ الفاصل بين أشدّ الكذبات جُموحاً والحقائق الصادِمة.

10- أدولف شيكلجروبر

10-feature-hitler-family

هناك مزاعمٌ أن اسم عائلة أدولف هتلر هو “شيكلجروبر”.

وُلِد أبو هتلر، آلويز، من علاقة غير شرعية لماريا آنا شيكلجروبر التي تزوّجت أخيراً الأبَ المحتمل لآلويز.. واسمه يوهان جورج هيدلر.
لم يَنسِب هيدلر الولدَ لنفسه في حياته، بل قام بذلك لاحقاً عمّ ألويز.

وكما يقول المؤرّخ آلان بولوك: “منذ بداية العام 1877، وقبل أن يولد أدولف باثني عشر عاماً، تَسمّى والده باسم هتلر، ولم يُعرف ابنُه (أدولف هتلر) بأيّ اسمٍ آخر حتّى قام معارضوه بالتنقيب واستخراج الفضيحة القروية التي طواها الزمان، وحاولوا بلا مبرّر وصم هتلر باسم جدته شيكلجروبر.”

يزعم المراسل الصحفي والخبير النفسي هانز هابه، والذي كان حينها كاتباً يهودياً-هنجارياً في ڤيينا قبل الحرب العالمية يكتب باسمٍ مستعار، يزعم أنّه كان أوّل من كشف أنّ اسم هتلر الحقيقي هو شيكلجروبر.

وتمّ إرسال صحفٍ تحمل العناوين “اسم هتلر الحقيقي هو شيكلجروبر” إلى ألمانيا في العام 1932 للتأثير على نتائج الانتخابات.
وانتقلت الخرافة إلى المملكة المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية، حيث اشتُهر هتلر باللقب “الرقيب شيكلجروبر” رغم أنّه لم يحُز تلك الرتبة أبداً.

ويبدو أنّ هتلر نفسه كان مُدرِكاً لحظّه العظيم فيما يتعلّق باسم عائلته والجاذبية الدعائية لعبارة “يحيا هتلر!”

ويُنسب له قولُه ذات مرة، “في بعض الأحيان، أجدني في غاية السعادة أنّ اسم مولدي لم يكُن أوبرهوبينجر أو أُنتركيرشر!”
ووفقاً لما ذكره كاتب سيرة هتلر، أوجست كوبيتسك، “لم يرضَ هتلر عن أيّ عملٍ قام به والده كرضاه عن هذا. فقد شعر هتلر أنّ اسم ‘شيكلجروبر’ فظَّاً جافاً معقَّداً وأخرقاً.. وشعر بأنّ اسم ‘هيدلر’ مُمِلَّاً وناعماً. بينما شعر أنّ اسم ‘هتلر’ مناسباً وسهل الحفظ.”

9- مطحنة صدام حسين الخاصة بالبشر.

9-saddam-hussein

رغم أنّ صدام حسين كان ديكتاتوراً عديم الشفقة، إلّا أنّ قصةً واحدةً قد تمّ تضخيمها والمبالغة فيها في الفترة السابقة على حرب العراق.

ابتدأ الأمر مع مجموعة بريطانية تُدعى “إندايت” Indict ، كانت تسعى لإقامة محاكم جريمة دولية ضد النظام البعثي، فقامت بترديد قصص لا أساس لها، تزعم أنّ صدام وابنه قصي استخدما آلة تقطيع بلاستيك ضدّ مُعتقلين أحياءً في سجن أبو غريب.

في العام 2003، كتبت آن كلايد النائب عن حزب العمال البريطاني في افتتاحية لها عن تلك المزاعم، ناقلةً عن مصدرٍ ما قوله: “كان هناك آلةٌ مصممةٌ لتقطيع البلاستيك. وكانوا يُلقون الرجال فيها، وأُرغِمنا على المشاهدة.

أحياناً سقطوا فيها على رؤوسهم، فماتوا ميتةً سريعةً. ولكن أحياناً أخرى، أُلقوا فيها بأقدامهم أولاً، فماتوا وهم يصرخون. كان الأمر فظيعاً. شاهدت ثلاثين شخصاً يلقون حتفهم بهذه الطريقة. وكانت تُجمع بقاياهم في أكياسٍ بلاستيكية، قيل لنا أنّها ستكون طعاماً للأسماك. وفي إحدى المرات، رأيت قصي حسين يُشرِف بنفسه على هذه الجرائم.”

تم ترديد هذه المزاعم على لسان رئيس الوزراء الأسترالي جون هاورد وفي الصحافة العالمية.
على الرغم من ذلك، لم يظهر أيّ دليل أو أثرٍ على هذه الآلات.

ووفقاً لما نقله بريندان أونيل، مراسل صحيفة الجارديان البريطانية، فإنّ مجموعة “إندايت” رفضت الكشف عن أسماء الباحثين الذين أجروا مقابلاتٍ مع العراقيين الذين أدلوا بهذه المزاعم.

وعند سؤالها عن مصداقية الرواية، يُقال بأن كلايد ردّت قائلةً: “ومن أنتم لتتّهموا هذا الرجل بالكذب؟”
يقول أونيل أنّه تكلّم مع طبيبٍ عملَ في زمن صدام في سجن أبو غريب، وقد شهِدَ الطبيب أنّ الظروف كانت مُريعةً هناك ولكنّه نفى علمه بأيّ أحداث تقطيع بشر.

وحسب علمه، فإنّ طريقة الإعدام الوحيدة المُتّبعة حينذاك كانت الإعدام شنقاً.
وزعمَ أونيل أنّ استغلال تلك الرواية في افتتاحية كلايد، المُعنونة “شاهد بشراً يُفرمون، وقُل أنَ الحرب ليست ضرورة”، كان دليلاً على البروباجاندا الداعمة للحرب على العراق.

وبدورها زعمت كلايد فيما بعد أنّ مجموعة “إندايت” حصلت من الشهود على التفاصيل اللازمة بما فيها أسماء الأشخاص، المواقع، والتواريخ، وأنّ حقيقة الأمر ستظهر للعلن حالما يمثُل مرتكبوا تلك
الجرائم أمام العدالة.

8- فيديل كاسترو يتخلّى عن الاحتراف في كرة السلة.

4

عندما كان فيديل كاسترو رئيساً لكوبا، انتشرت خرافةٌ تزعم أنّ كاسترو قام بأداء تجربة للانضمام لفريقيّ النيويورك يانكيز (the New York Yankees ) أو واشنطن سيناترز (Washington Senators)، وأنّه ذات مرة ردّ عرضاً بقيمة 5000$ للانضمام لفريق النيويورك جاينتس(the New York Giants).
على كلّ حال، بقيت هذه الخرافات إشاعاتٍ أمريكية لم تُشتهر في كوبا.

يذكر روبيرتو جونزاليس(Roberto Gonzalez Echevarria)، البروفيسور في جامعة ييل Yale، والذي كتب عن تاريخ البيسبول الكوبي، أنّه ما مِن دليلٍ على أنّ كاسترو كان لاعب بيسبول لا في أمريكا ولا في كوبا.

بعد استيلائه على السلطة، لعب كاسترو بعض المباريات الودّية مع فريقه الجديد “باربودوس” (المُلتحون)، رغم أن الثورة كانت قد أنهت دوري البيسبول الاحترافي في كوبا.

وفقاً للرابطة الأمريكية للبحث في رياضة البيسبول، بإمكاننا تتبّع النسبة الكبرى من شهرة هذه الخرافة للرواية الغريبة التي رواها كلَّاً من البطل الاحترافي السابق دون هوك Don Hoak والصحفي الرياضي مايرن كوب Myron Cope. وكما نُشِر في مجلّة الرياضة في العام 1964، ادّعى “هوك” أنّه في العام 1950- 51وبينما كان يلعب مباراة في الدوري الكوبي الشتوي، نزلت إلى أرض الملعب مظاهرةٌ طلّابيّة عفوية ضدّ الرئيس باتيستا.

وطلب قائد المظاهرة، كاسترو، من “هوك” أن يتّخذ وضعية صدّ الكرات. وقذف كاسترو إليه بكراتٍ أخفق “هوك” في صدّها.
ثمّ سرعان ما تدخّلت الشرطة العسكرية لفضّ المظاهرة، وانسحب كاسترو -حسب مزاعم هوك- يبدو “كطفلٍ شقيّ صفعه أستاذه وأرسله للوقوف في زاوية الصف”.

رغم المغالطات التاريخية التي تعجّ بها تلك الرواية، ورغم أنّ هوك وكاسترو لم يوجدا في هافانا في نفس الوقت، إلّا أنّ الرواية تكرّرت كثيراً عند مؤرّخي رياضة البيسبول ووكالات الأنباء حتّى تجذّرت في عالم البيسبول والفولكلور السياسي الأمريكي.

وعلى ما يبدو، فقصّة الـ5000$ من فريق النيويورك جاينتس(the New York Giants) قد ظهرت للوجود بسبب زعمٍ باطلٍ في مقالٍ نُشِر في العام 1989 في مجلّة هاربر Harper.
في كتابه عن البيسبول، يذكر البروفيسور إيشيفاريا الأمر بشكلٍ فجّ وواضح: “فلنكُن واضحين، لم ينضمّ فيديل كاسترو لأيّ نادٍ أو فريق.. ولم يُعرف عنه أنّه حقّق نجاحاً من أيّ نوعٍ في البيسبول ما قد يجلب له انتباه المدرّبين.”

7- قتل كيم جونج أون صديقته السابقة.

7

في العام 2013، نشرت صحيفة كورية جنوبيّة(Chosun Ilbo) تقريراً يزعم أنّ الديكتاتور كيم جونغ أون كان على علاقة مع مغنية البوب هيون سونج-ول (Hyon Song-wol) وبعد ذلك قتلها عندما اكتشف أنّها وأفراد فرقتها الموسيقية قاموا بعمل وبيع ڤيديوهات إباحية لأنفسهم وأنّه لديهم نسخٌ من الإنجيل..

وزعم المقال المذكور أنّهم “تمّ إعدامهم بالأسلحة الآلية بينما أُجبر أفراد أوركيسترا أونهاسو (Unhasu)، وفرقٍ موسيقيةٍ أخرى، بالإضافة إلى أهالي الضحايا، أُجبِروا جميعاً على مشاهدة عملية الإعدام.”
وانتشرت هذه القصّة بشكلٍ سريعٍ على شبكة أخبار(the Wire)، وموقع هافينجتون بوست، والتيليجراف، حتّى أنّ موقع (the Daily Dot) حمّل مقطع فيديو يُظهِر ثلاث نساء كوريات يرقصن على أنغام موسيقى البوب، وتساءل الموقع فيما إذا كان هذا المقطع هو الفيلم الإباحي المزعوم!

وفي العام 2014، تمّ تبديد جميع تلك الإشاعات حين ظهرت هيون Hyon بلباسٍ عسكري على التلفزيون الرسمي الكوري الشمالي وألقت خطاباً أمام جمعٍ من الفنانين.

ومن الجدير بالذكر أنّ صحيفة (Chosun Ilbo) لها سجلّ طويل في نشرِ أخبارَ مبالغٍ فيها عن كوريا الشمالية، معتمدةً على مصادر مشكوك بصدقيّتها.

في إيميل لجريدة الواشنطن بوست، كتب أحد المحللين الكوريين الشماليين: “يُعتبر مقتل ثلاثة ملايين شخصٍ مجرّد إحصائية، أمّا مقتل نجمة إغراء فحدثٌ يستقطب عناوين الأخبار. هناك بعض القصص المروّعة والبشعة التي تخرج من كوريا الشمالية والتي تمسّ حياة الكثيرين من مواطني البلاد، ولكن هذه القصص لا تلقى صدىً في الإعلام الخارجي لأنه ليس لها نفس جاذبية مواضيع الجنس والساديّة المريضة.”

وكوريا الشمالية نفسها ليست راضيةً عن صحيفة (Chosun Ilbo) الكورية الجنوبية وتاريخها المليء بالمزاعم الباطلة ضدّها.. وقد سبق أن هدّدت كوريا الشمالية أنّها “ستُحيل الصحيفةَ رماداً”.

6- معمّر القذافي وجاذبية الأمازون.

6

لعقودٍ طويلة، أحاط القذافي نفسه بدائرة حرسٍ شخصي من النساء فقط واللاتي كُنّ يُعرفن في أوروبا باسم “الأمازون” (المحارِبات) وفي شمال أفريقيا باسم “الحارسات”.
رغم أنه كان قد قال سابقاً أنّ النساءِ لسنَ مساوياتٍ للرجال لاختلافهنّ البيولوجي، إلا أنه استخدم حارساتٍ بلباسهنّ العسكري الكامل، وطلاء الأظافر، وصنادل الكعب العالي كدليلٍ على نجاح ثورة الفاتح من أيلول الليبية.

بالنسبة لوسائل الإعلام الغربية، بدا الأمر غريباً أو مسلياً.. وذهب البعض إلى كون هذا دليلاً على الميول التقدمية عند الزعيم الليبي.
في العام 1979، أسّس القذافي أكاديمية طرابلس العسكرية للنساء ليُسهم في تحرير المرأة، كما وعد والدته.
اشتُهرت هؤلاء الحارسات باسم “راهبات الثورة”، لكونهنّ عذراواتٍ أقسمن أن يبقَين كذلك.. كما أقسمن أن يُدافعن عن القذافي بحياتهن.

ثمّ أُخضِعنَ لتدريب على الرياضات القتالية والتقنيات العسكرية لمدّة ثلاث سنوات. وعلى ما يبدو، كُنّ مُخلصاتٍ في ولائهنّ، إذ نُقِل عن إحدى المتدرّبات قولها لصحفيّ كندي في العام 1995، “لولا الزعيم، لَمَا كان نساء ليبيا شيئاً مذكوراً.”
وبعد السقوط المُهين للقذافي من سُدّة الحكم، ظهرت الحقيقة؛ فبينما حازت بعض الحارسات على المناصب العليا وميّزاتها، تعرّضت البقيّة للإكراه والإهانة.

أفاد خمسة نساء من وحدة الحارسات للدكتورة النفسية سهام سيرجوة في بنغازي أنّهن تعرّضن للاغتصاب من قِبل القذافي وأبنائه وتمّ طردهنّ بعد ذلك.
في حالة إحدى تلك النساء، اختلق النظام قصةً متَّهماً أخاها بتهريب المخدرات، ولذا فإنّها إن لم تصبح حارسة، سيُسجن أخوها مدى الحياة. وبعد لقائها بالقذافي، اصطحبها لغرفته الخاصة.

توضّح الدكتورة سهام في مقابلةٍ مع جريدة التايمز المالطية أن تلك الفتاة “لم تفهم ما الذي كان يحصل، فبالنسبة لها كان القذافي رمز الأب وزعيم الأمة، وهكذا.
وعندما رفضت مبادرته لمواقَعَتها، قام باغتصابها.”

وكانت الحارسات يُستخدمن لأغراض اعتقال ضحايا أخريات يُنقلن إلى قصور القذافي، أو إحدى الأماكن التي خصّصها لممارسة الجنس ضمن جامعة طرابلس، بديكور سنوات السبعينات، حمام جاكوزي، وجناح نسائيّ مجاور.

خلال جولاته على المدارس والجامعات، كان يربّت القذافي على رأس الفتيات اللاتي اختارهن، وقد تبلغ أصغرهن سناً 15 عاماً.

ولاحقاً تعتقل الحارسات تلك الفتيات ويأخذنهن للقذافي.

وأيّما فتاةٍ تمّ تشويهها بسبب الاغتصاب، كانت عادةً ما تُلقى لتلقى حتفها في الحدائق العامة أو مواقف السيارات.

5- الخطاب المُراوِغ لنيكيتا خروشوف

5

في العام 1956، ألقى خروشوف خطاباً مؤلفاً من 26000 كلمة امتدّ لأربع ساعات أمام النواب في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي. وما لبث أن أبدى استنكاره الشديد لسجلّ الرفيق جوزيف ستالين الذي لم يبرد في قبره بعد.

من ضمن جرائم ستالين كانت سلسلة اغتيالاتٍ طالت مسؤولين في الحزب وأعضاء في اللجنة المركزية، الاضطهاد والتعذيب واسع النطاق لعامّة الشعب، والدفاعات المتهالكة في العام 1941 والتي أودت بحياة ألوف الجنود السوڤييت.

أصاب الخطاب المندوبين بالصدمة، وكانت تلك بداية مرحلة ضد-الستالينية في الاتحاد السوڤييتي.

أشاد الكثيرون بجرأةِ خروشوف في الانقلاب على ستالين وتبييض صفحة الاتحاد السوڤييتي من الانتهاكات المرتكبة في ظلّ حكم ستالين. ولكنّ آخرين يرون الحدث من وجهة نظرٍ مشكّكةٍ ويقترحون أنّ خروشوف كان مدفوعاً فقط بمكاسبه السياسية الشخصية، ليتجنّب أيّة اتهاماتٍ مستقبلية قد تطاله عن جرائم الحقبة الستالينية.

في مقابلةٍ مع صحيفة الجارديان البريطانية، زعم المؤرّخ الروسي يوري جوكوڤ (Yuri Zhukov) أنّ “خروشوف كان يحاول أن ينحى باللائمة على ستالين، بينما كانت يداه مضمّختان بالدماء”.

وحسب وثائق اكتشفها جوكوڤ في أرشيف المكتب السياسي، فإنّ خروشوف طلب الإذن لإعدام 8500 “خائن للاتحاد السوڤييتي” ونفى ما يقارب 33000 شخصاً إلى معسكرات الاعتقال عندما كان

أمين الحزب في منطقة موسكو في العام 1937. وفي السنة اللاحقة عندما كان مسؤولاً في أوكرانيا، طلب قتل أو اعتقال 30.000 شخصاً في حملة تطهير ضدّ المثقفين و “العناصر المعادية”.

إلّا أنّ هذا كلّه لا ينفي عن جرائم ستالين طابعها الوحشي فقط لأن خروشوف وصفها كذلك. ولكن إلقاء اللوم كلّه على ستالين ساعد خروشوف على استنقاذ نفسه وسمعته.

ديما بيكوڤ (Dima Bykov) المثقفة الروسية عقدت مقارنةً حاذقةً في مقابلةٍ لها مع الجارديان: “تخيّلوا أن يُلقي هيملر [المسؤول النازي الرفيع] خطاباً ضدّ الفاشية في مؤتمر للنازية بعد موت هتلر!”.

4- جدول قطار بينيتو موسوليني

55

عادةً ما يقال أنّ بينيتو موسوليني كان ديكتاتوراً مضطهِداً يقتل الناس ويُلغي الحريات، لكنه على الأقل جعل القطارات تلتزم بالمواعيد. ولطالما استُخدمت هذه الرواية مجازياً لانتقاد البنية التحتية والمواصلات في الدول الديمقراطية. حتى أنه في العام 2015، استخدم الكاتب ريتشارد كوهين هذا التعبير في جريدة الديلي نيوز Daily News بنيويورك ليمتدح النظام الشمولي لـ “لي كوان يو” Lee Kwan Yew مؤسس دولة سنغافورة.

خلال الحرب العالمية الأولى، أصيب نظام السكة الحديدية الإيطالي بالعطل وبالتالي تمّ تحديثه عبر الإصلاحات التدريجيّة. وهذه الإصلاحات كانت قد تمّت إبّان سيطرة موسوليني على الحكم في العام 1922.

وصرّح بعض الذين ركبوا القطارات في فترة الحُكم الفاشي أنّها عادةً ما كانت تتأخّر. بالإضافة إلى هذا، فإنّ موسوليني نفسه لم يذكر القطارات عند كتابته لسيرته الذاتية، وحتّى الكتّاب الذين أرّخوا حياته نادراً ما يذكرون الموضوع.

في كتابه “إمبراطورية موسوليني الرومانية،” يقلّل الكاتب ماك سميث (D. Mack Smith) من شأن الموضوع على أنّه مجرّد وسيلة بروباجاندا: “جرى الترويج للزعم أنّ القطارات في إيطاليا كانت محسودةً في أوروبا. وكانت هذه مبالَغةً من طرف موسوليني الذي بذل قصارى جهده لجعل نظام القطارات رمزاً لفاعليّة الفاشيّة، ونجح في إخفاء الكثير من الجهود المبذولة قبله في مجال السكك الحديدية قبل العام 1922 –أي قبل أن يصبح رئيساً للوزراء. ورغم أنّ دعايته نجحت، إلّا أنّ بعض المسافرين أفادوا بأنّ تلكم القطارات المُحتفى بدقّة مواعيدها عالمياً لم تكن في الغالب سوى خرافةٍ مناسبة للبعض”.

في العام 1936، عبّر الصحفي الأمريكي جورج سيلديز (George Seldes) عن تذمّره من مواطنيه الأمريكان العائدين من إيطاليا والذين انضمّوا لجوقة المطبّلين للزعيم الإيطالي لقدرته على جعل القطارات تلتزم بالمواعيد.
وكانوا يستخدمون هذه الفكرة كردّ على أيّ انتقادٍ موجّه لسياسات موسوليني القمعيّة.

كتب سيلديز قائلاً: “صحيحٌ أنّ مُعظم قطارات النقل السريع، أي تلك التي تحمل شهود العيان من السيّاح، تكون دقيقة في مواعيدها؛ بينما على الخطوط الأصغر، فالسكك الحديدية وظروف قاعدتها تسبّبان تأخيرات متكرّرة”.

وكتب أحد وزراء خارجية بلجيكا الذين عاصروا تلك الفترة: “ولّت تلك الأيام التي كانت بها القطارات الإيطالية تلتزم بالمواعيد. ودائماً ما كُنّا نضطرّ للانتظار لما يزيد عن ربع الساعة على المعابر لأنّ القطارات لم تصل هناك في الوقت المحدد لمرورها”.

3- سلالة جنكيز خان.

3-genghis-khan

يسود الاعتقاد الشائع أن جنكيز خان هو الأب الجيني لأكبر ذريّةٍ في العالم. في العام 2006، تصدّر محاسب في فلوريدا العناوين الرئيسية عندما تواصلت معه مؤسسة أوكسفورد البريطانية لدراسة الأسلاف وأبلغته أنّه ينحدر مباشرةً من نسل جنكيز خان. ويُقال أنّه أراد التثبّت من الأمر من جهة أخرى، فتبيّن أنّ الصِبغي Y في جيناته ينحدر من نسل قبائل الشمال (الڤايكينج). على أيّة حال، لم يثبت الارتباط المباشر بجنكيز خان.

ومع هذا يُنظر إلى جنكيز خان على أنّه السَلَف للملايين. لكن أكبر عقبةٍ في التحقّق من صحّة هذه النظرية هي عدم وجود أيّ شيءٍ يحمل جينات جنكيز خان.. ومن المعلوم أنّ قبره مثلاً تمّ إخفاؤه ولم يتم إيجاده إلى الآن.

في مقابلةٍ مع شبكة لايڤ ساينس (Live Science)، أفادت ديبرا بولنك (Deborah Bolnick) من جامعة تيكساس أنّه: “ما مِن شيءٍ يربط العيّنات الجينية لأيّ أحد بجنكيز خان. ولربّما كان الوالد لهذا النسل شخصاً آخر غير جنكيز خان، عاش في نفس الفترة وأقام علاقاتٍ مع العديد من النساء”.

ويبقى الدليل على الميراث الجيني لجنكيز خان ظرفياً تخمينياً. ففي العام 2003، نشر عالم الجينات التطوريّة كريس تايلر-سميث (Chris Tyler-Smith) ورقةً بحثيةً ضمّن بها اكتشافه أنّ 8% من الرجال من 16 كتلة سكانية آسيوية (ما مجموعه 0.5 بالمئة من مجموع الذكور في العالم) يشتركون في سلسلة صبغيّ Y شبه-متطابقة، ما قد يعني أنّهم ينحدرون من نفس السَلَف المغولي منذ 1000 عام.

رغم ما يُشاع عن كون جنكيز خان أنجب المئات من الأبناء، لا نعلم فيما إذا قام هؤلاء بدورهم بإنجاب ذريةٍ ضخمةٍ أيضاً.

وجود سلالة صبغي Y متفرّدة تستلزم عاملاً مدعِّماً، يمكن عزوه إلى التركيبة السياسية والاجتماعية للمغول.. ولكن هكذا فرضيّة أبعد ما تكون عن الجزم بها.

وشيءٌ آخر يجب أن يُذكر، أنّه كان لجنكيز خان منافسين على دور صبغي Y الذي انحدر منه النسل. فقد أظهرت الدراسات الجينية في الماضي أنّ سلالات الصبغي Y المتنافسة يمكن تتبّعها إلى سلالاتٍ تاريخية أخرى، مثلاً إلى الحاكم جيوكانجا (Giocangga) في القرن السادس عشر وأيضاً إلى سلالة أو نيل (UiNeill) الآيرلندية في القرون الوسطى.

والأبحاث الإضافية التي يقودها عالم الجينات مارك جوبلينغ (Mark Jobling) في جامعة ليستر Leicester وجدت أحد عشر سلسلة صبغي Y متميزة في الكتل السكانية للذكور الآسيويين.

لذا رغم أنّ جنكيز خان قد ترك وراءه بصمةً وراثيةً مهمةً وقابلةً للاكتشاف، إلا أنّ عنواين الأخبار (كهذه من الديلي إكسبريس: “قد يكون أكثر من مليون رجل في يومنا هذا من سلالة جنكيز خان”) تبالغ في الموضوع قليلاً.

2- الفطنة العسكرية للجينرال فرانشيسكو فرانكو

2-franco

قدّم طاغية إسبانيا الجنرال فرانشيسكو فرانكو نفسه كقائدٍ عسكري عظيم الشأن.

وكان دائماً يرتدي ملابسه العسكرية ونسب لنفسه الفضل في حصار الكازار 1936، واستغلّ الصحف والمنشورات الأسبوعيّة لتلميع صورته كقائد عسكري جبّار مُتفانٍ في سبيل الدفاع عن أراضي إسبانيا في شمال إفريقيا.

وفي نعيٍ له نشرته النيويورك تايمز في العام 1975، تمّ التأكيد المُبالغ فيه على أهمية منجزات فرانكو العسكرية وطبعه الصارم، بنَفَسٍ اعتذاريّ: “كانت قساوة فرانكو أسطورية، متجرّدة وفعّالة. في مرة من المرات، وخلال عمله ضابطاً برتبة عقيد لفيلقٍ إسباني في الخارج، كان فرانكو يتفقّد قوّاته وإذا بمجنّد يُلقي بالطعام في وجه فرانكو اعتراضاً على رداءة الطعام، فتناثرت بقايا الطعام على لباس فرانكو، لكنّ تعابير وجهه لم تتغيّر. وبكلّ بساطة، أخرج منديله ومسح وجهه وتابع التفقّد. وبعد عودته لمكتبه، اتصل فرانكو بضابط وأمر باعتقال المجنّد وإعدامه”.

ولم يُبذل كثيرٌ من الجهد بعد وفاة فرانكو لتدقيق سجلّه، إذ كانت إسبانيا تتعافى من أعراض فترة حُكمه الديكتاتوري وكانت تتجهّز لاستقبال حكومةٍ دستورية.

في العام 2000 وفي الذكرى السنوية الخامسة والعشرين لوفاة فرانكو، نُشِر كتاب دحض هذه الخرافات التي استطال عليها الزمن.

وزعم المؤرّخ العسكري العقيد كارلوس بلانكو إيسكولا (Carlos Blanco Escola) في كتابه المعنون “عدم أهليّة فرانكو العسكرية” أنّ فرانكو ارتكبَ أخطاءً عسكرية فادحةً أدّت إلى إطالة أمد الحرب الأهلية الإسبانية بلا ضرورة.

وعقد إيسكولا مقارنةً بين القدرات العسكريّة لكلّ مِن فرانكو والجنرال الشعبي فيسينته روهو مفضّلاً الأخير على فرانكو. وفي تحليله لمعركة نهر إيبرو، كتب إيسكولا: “نفّذ الجنرال روهو مناوراتٍ بارعةً تم دراستها على نطاقٍ واسع في الأكاديميات العسكريّة في الاتحاد السوفييتي السابق. إذ قام الجنرال روهو بعبور النهر وثبّت مواقعه العسكريّة على الضفّة الصحيحة، مُحرِزاً في يومِ واحدٍ ما استغرق فرانكو أربعة شهورٍ بأكملها والكثير من الذخائر”.

الجدير بالذكر أنّ النازيين والفاشيين على حدٍّ سواء اتفقوا على موجة الكُره لفرانكو. فكلا الطرفين لم يعتبروا فرانكو قائداً عسكرياً ناجحاً.

1- اختباء ابن لادن في الكهوف

1-bin-laden

إحدى أشهر الروايات التي انتشرت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر هي أنّ أسامة بن لادن كان مختبئاً في شبكة كهوف في أفغانستان. وأعلن حينها الرئيس جورج بوش الابن أنّ الجيش الأمريكي “يشنّ حملاتٍ ممنهجةً لإجبار الإرهابيين على الخروج من مخابئهم في الكهوف، ليمثلوا أمام العدالة.” وفي نفس الوقت، تبجّح سلاح الجوّ الأمريكيّ لمجلّة آفيشن ويك Aviation Week عن استخدامه مئة وثلاثين قنبلةً موجّهةً تُطلقُ أفقياً على الكهوف.

ولكن شكّك البعضُ منذ أكتوبر 2001 برواية شبكات الكهوف التي تُستعمل كمخابئ في أفغانستان. فحجر الكلس الذي يُشكّل معظم صخور الكهوف والمُغُر، يندرُ وجوده في أفغانستان. وأثبتت إحصائيّةٌ سابقةٌ للأطلس الأوربي للكهوف أنّ أفغانستان لا تُعتبر بقعةً مناسبةً لدراسة واستكشاف الكهوف.

ووفقاً لما ذكره عميل السي آي إيه ميلت بيردن (Milt Beardon) فإن مُعظم حفريّات الكهوف التي قام بها المجاهدون الأفغان في سنين حربهم ضدّ الاتحاد السوفييتي كانت قليلة العُمق. وفي مقابلة له مع ناشيونال جيوجرافيك قال بيردن: “الكلام عن الكهوف مُبالغ فيه. فمعظم هذه الكهوف هي عبارةٌ عن أحافير قام بها الناس. وخلال الحرب التي امتدت لعشر سنوات، قام المجاهدون بالحفر على جوانب الجبال في تلك الوديان الضيّقة المتعرّجة فقط ليحموا عتادهم.”

وحسب الجارديان البريطانية، فإنّ أصل خرافة الكهوف هذه جاء بسبب مقابلات ابن لادن مع الصحفيين الغربيين في جبال تورا بورا، وهو موقعٌ تم اختياره لأغراض الدعاية. في ذلك الزمن كان ابن لادن
يعيش في مجمّع سكني -كان مجمّعاً زراعياً سوفييتاً- يمتلكه أمير حرب محلي. ولاحقاً انتقل ابن لادن للعيش في قندهار في مجمّع سكنيّ آخر.

لا يوجد دليل أنّه عاش فتراتٍ في الكهوف قبل مقتله في مجمّع سكنيّ في مدينة أبوت آباد. من وجهة نظر تنظيم القاعدة، ففكرة أنّ ابن لادن قابعٌ في كهف بينما كانت أمريكا تنفق ملايين الدولارات في محاولتها تعقّبه والقبض عليه، تعزّز تلك الفكرة من صورته أمام مناصريه كبطلٍ مطارد.

لسنواتٍ عديدة افترضت الاستخبارات الأمريكيّة أنّ ابن لادن سيبقى بين أتباعه للحماية، قريباً من معاقل القاعدة في منطقة القبائل شمال وجنوب وزيرستان. غير أنّ ابن لادن ثبّط اعتماد الأمريكان على المراقبة الإلكترونية والأقمار الصناعية والمخبرين بعدم إدخاله الهواتف والإنترنت إلى مكان إقامته. وأحاط نفسه بجدرانٍ عاليةٍ وكادرٍ ضيّق من الثقات فقط. إذاً بسبب ندرة المعطيات الاستخباراتية المفيدة، فإنّ خرافة اختباء ابن لادن في الكهوف قد تكون لعبت دوراً في تأخير الوصول إليه لسنوات.


ترجمة: رامي أبو زرد
تدقيق: صائب اسماعيل
المصدر


 

عابر سبيل يحاول إضافةَ حرفِ معقوليّة على صفحة هذا العالم المجنون قبل انتهاء الرحلة، مهتمّ بقضايا البعث الحضاري والترجمة والنقد، مترجمٌ متطوّع في فريق ليستات للأسباب السابقة :-)