عشر تقنيات رائعة ل تحديد تاريخ البشرية

6

عشرُ تقنياتٍ رائعة لتحديد تاريخ البشرية


مُستخدِماً خبرته في الوثائق التاريخية وأصول المفاهيم الإنجيليّة، قدّر المطران الآيرلندي جيمس آشر James Ussherأنّ كوكبنا خُلِقَ في صباح الثالث من أكتوبر في العام 4004 قبل الميلاد.
ولكن منذ أيّام آشر وحتّى أيّامنا هذه ازداد فَهمنا لتاريخ العالم عُمقاً بفضل الكثير من تقنيّات التأريخ البارعة التي طوّرناها.

10- التأريخ اللغوي.

1

بمرور الزمن فإنّ مجتمعَين ناطقَين بنفس اللغة -ولكنّهما مُنعزلَين- سيُظهران اختلافاتٍ في طريقة كلامهما. ومع تعاقب الأجيال يظهر التغيير اللغوي واضحاً أكثر فأكثر.

وبعد ألوف السنوات، فعلى الأرجح أنّنا سنلقى لغتَين متقاربتَين ولكن مُستقلّتين تماماً عن بعضهما بعضاً.

ولذا بإمكان علم اللغويّات تحديد تاريخ النصّوص التي يلقاها على المستندات، الأواني الفخارية، الجدران، والعديد من السطوح الأخرى. وبالتالي فقد حُدّدت تواريخ بعض أهمّ النصوص التاريخية باستخدام المقارنة اللغويّة. حصل هذا في حالة الكتاب المقدّس لزرداشت Avesta، والذي يُعتقدُ أنّه كُتب في الفترة الواقعة بين 1200-1500 قبل الميلاد، لتشابهه اللغوي مع نصوص الفيدا الهندوسيّة Veda.

9- التأريخ الشجري (بقياس حلقات جذع الشجرة)

2

مُعظم الأشجار تُنتج خشباً جديداً كلّ عامٍ، ما يَنتُج عنه حلقات النموّ التي يُمكن فحصها في المقطع العرضي للجذع. وبمقارنةِ متتاليةِ الحلقات من أشجارٍ حاليّة تنتمي لعصورٍ مختلفة، يُمكن استنباطُ تاريخَ سلسلة حلقاتٍ من مئات بل ألوف السنين..

في منطقة آلتشستر، شمالي أوكسفورد البريطانية، اكتشف علماء الآثار بقايا قلعةٍ رومانيّة. وبفضل طبيعة التربة، احتفظت دعامتان ضخمتان للبوّابة الخشبيّة بحالتهما الجيّدة. وأظهر تحليل دراسة حلقات جذوع الشجرتين أنّهما قُطعتا بين العامين 44 و45 للميلاد. وهذه النتائج متطابقةٌ مع المُعطيات التاريخية؛ حيث يعود تاريخ الغزو الروماني لبريطانيا إلى العام 43 ميلاديّة.

8- التأريخ التسلسلي.

3

بإمكان معظمنا ذهنيَّاً ترتيب أغلب ابتكارات البشريّة بالتسلسل التاريخي. وكذلك الحال مع علماء الآثار، الذين يقومونَ بنفس الشيء مع الأدوات القديمة. فالابتكارات التي تتحدّر من نفس البلاد، لها طرازٌ يميّزها. والتأريخ التسلسلي لأنواع الأواني الفخارية هو الأساس للكثير من السلاسل التاريخية. ولدى مُعظم الحضارات الإنسانية التي ظهرت بعد العام 8000 قبل الميلاد، لديها طرازٌ خزفيّ متميّز.

ففي اليونان مثلاً كان نمط الفخاريّات، المدعو “الفخار الأسود”، سائداً من العام 625 ق.م. حتى 530 ق.م، عندما تمّ استبدالُه بـ “الفخّار الأحمر”، وبناءً عليه، فلو وُجِدت قطعة من الفخار الأسود اليوناني في موقعِ تنقيبٍ فقد تكون دليلاً أنّ تاريخ الموقع ليس أقدم من الفترة الواقعة بين 625-530 قبل الميلاد..

7- التأريخ باستخدام التألّق الحراري TL.

4

وهو يُطبّق على المواد البللوريّة المدفونة في التربة، والتي كانت قد تعرّضت للنار، كالفخاريات مثلاً. وخلال اختبار التألّق الحراري TL، يُحمى الفخار حتى يُطلِقَ الطاقة المُختَزنةَ فيه على شكلِ حزمةٍ ضوئية؛ وحين يُصارُ إلى قياس هذا الضوء، يتحدّد طول الفترة الزمنية التي مضت على تشكُّل الهيكل البللوري.

منذ لحظة صناعة هذا الإناء الفخاري على النار وحتّى لحظة تحليله، قام بامتصاص الإشعاعاتِ من البيئة المحيطة. وتبقى هذه الأشعة مُختزنةً ومتجمّعة في الهيكل العضوي للإناء. ولكي يحصل علماء الآثار على قراءةٍ دقيقة، عليهم أن يقيسوا المستوى الإشعاعي في نفس البقعة التي وُجدت بها العيّنة المدروسة تحت التربة. لكنّ هذا المستوى الإشعاعي لا يمثّل بدقّة عالية نفس المستوى الذي تعرّضت له العيّنة في الماضي قبل دفنها تحت الأرض. ولهذا السبب، تبلغ نسبة دقّة تأريخ الألق الحراري TL 10% تزيد أو تنقص، وعادةً ما يتمّ مقارنتها بطُرُق تأريخ أخرى.

6- رَنينُ تَدْويمِ الإِلكِتْرُون ESR.

5

ونفس وظيفة التأريخ بالألق الحراري TL، فالتأريخ برنين تدويم الإلكترون ESR يقيس الطاقة المُختزنة. ولكنه يختلف عن سابقه في أنّه لا يُحمي العيّنة المدروسة، وذلك لدراسة الأجسام التي تتلف عند تعرّضها لدرجات حرارةٍ مرتفعة. وعادةً ما تُستخدم هذه الطريقة في التأريخ عند دراسة عيّنات الأسنان. عند دفنه، يبدأ مينا الأسنان بتخزين الطاقة المنبثقةِ عن إشعاعِ الخلفيّة.

وتبلغ نسبة دقّة تأريخ رنين تدويم الإلكترون ESR من 10-20% تزيد أو تنقص. ورغم أنّ نسبة الدقّة هذه قد تبدو غير مقنعةٍ، إلّا أنّ هذه الطريقة في القياس بإمكانها تقديمُ نتائجَ قيّمة في دراسة البشر الأوائل، حيث عادةً ما نتعامل مع تواريخَ تُقدّر بمئات آلاف السنين.

5- التدوين التاريخي والتقويم.

6

تحديد أحدث فترات التاريخ الإنسانيّ كان يعتمد في معظمه على التدوين التاريخي، السجلّات، والتقاويم التي خلّفتها الحضارات البائدة. ولكن التقاويم القديمة كانت تعتمد على أنظمةٍ محليّة لحساب الوقت، وعادةً ما تكون مرتّبة حسب تعاقب الملوك أو السلالات الحاكمة في مناطقهم. والطريقة الوحيدة لجعل هذه التقاويم ذات معنى هي أن تُقارنَ مع تقويمنا الحالي.

وعلى سبيل المثال عندما كان مجتمعان من تلك المجتمعات القديمة يحتكّان، نجد أنّ نفس الأحداث قد سُجّلت في نظامَيّ تدوين تاريخيين مُستقلَّين، ما يمنحنا الفرصةَ لموائمة هذه التقاويمَ المختلفة. وهكذا فإنّ غزو الإسكندر المقدوني لمصر في العام 332 قبل الميلاد يُوائم تقويمَي مصر واليونان القديمة.

4- التأريخ المقارن.

7

قبل أن توجد تقنيات التأريخ العلميّة الحديثة، كان التأريخ المقارن يُستخدم مع أجسام ذات تسلسلٍ زمني معروف من منطقةٍ محدّدة التاريخ، حينما يُعثرُ عليها في مناطق لا يتوفّر عنها معلوماتٍ تاريخية موثوقة.

خلال التنقيب في قصر كنونوسوس Knonossos في جزيرة كريت اليونانية، تمّ العثور على أغراض مصرية مستوردة يعود تاريخها للعام 1500 قبل الميلاد. استُخدمت هذه بالإضافة إلى عيّنات فخاريّة من كريت وُجدت في مواقع آثار مصرية يعود تاريخها للعام 1900 قبل الميلاد، استُخدمت من قبل علماء الآثار كمثالٍ على امتداد التاريخ المصري إلى جزيرة كريت.

3- التأريخ بالكربون المُشعّ.

8

رغم أنّ ذرّة الكربون عادةً ما تحوي ستةَ نيترونات في نواتها (كربون-12)، إلّا أنّنا مُحاطون بكميّة صغيرة من الكربون الذي يحوي 8 نيوترونات (كربون-14).

الكربون-14 هو ذرّة عالية الطاقة، غير مستقرّة، وسريعة التحلل. ومقدار الكربون-14 في عيّنة ما يقلّ للنصف (وهذا ما يُصطلح عليه بتسمية “عُمر النصف”) تقريباً كلّ 5700 سنة.

عندما يفنى الكائن الحيّ، تتوقّف عمليّة التبادل بين الطاقة والمادة، ولذلك لا يستطيع الإبقاء على الكربون-14 في أنسجته. ومع مرور الوقت ينخفض مقدار الكربون-14. وكوننا نعرف المعدّل الذي يحصل الانخفاض عنده، فبإمكاننا تقدير الفترة الزمنية بناءً على قراءة تركيز الكربون-14.

ويمكن تطبيق هذه الطريقة تقريباً على أيّ كائن عضويّ (بقايا بشر، الفحم، بقايا النباتات… إلخ.) ولكن أحد العقبات هي عُمر العيّنة: فالعيّنات الأقدم من سبعين ألف عامٍ لا تحتوي على تركيزٍ كافٍ من الكربون-14 يساعد على القيام بقراءة دقيقة. ونفس الشيء ينطبق على العيّنات الحديثة، كون تركيز الكربون-14 فيها مرتفع جداً.

2- التأريخ بالبوتاسيوم-آرجون.

9

عند استخدام الكربون المُشعّ لتحديد عمر مستحاثات أشباه البشر hominin وُجِدت في شرق أفريقيا، لم يأتِ بنتائج تُذكر. وعنى هذا أنّ عمر بقايا الأعضاء الأوائل في شجرة تطوّر البشر يبلغ أكثر من سبعين ألف عام. فطلب علماء الآثار المساعدة من علماء الجيولوجيا، وكانت الثمرة هي طريقة جديدة للتأريخ تُسمّى التأريخ بالبوتاسيوم-آرجون.

البوتاسيوم-40 هو نظيرٌ مُشِعّ يتحلّل إلى آرجون-40، وهو غازٌ خامل. عندما تتشكّل صخرةٌ بركانيّة جديدة، تنفدُ من الآرجون-40 بسبب تسرّب الغاز. وعمر النصف الخاصّ بها هو 1.3 مليار سنة. وقراءة المستوى النسبي لكلٍّ من البوتاسيوم-40 والآرجون-40 في عيّنة الصخرة البركانية يمكن أن يُترجم إلى مقدار الزمن المُنقضي منذ تشكُّل الصخرة.

والكثير مِن المواقع الأثريّة التي عُثِر بها على مستحاثات أشباه البشر تقبع في مناطق غنيّة بالصخور البركانية. وفي بعض الأحيان توجد تلك المستحاثّات ضمن طبقات جيولوجية يُمكن تحديد تاريخها باستخدام تقنية البوتاسيوم-آرجون. وأحياناً أخرى وُجدت محشورةً بين طبقات الصخور البركانية والتي يُمكن تحديد عمرها باستخدام نفس طريقة التأريخ.

1- التأريخ بالجيولوجيا الطبقيّة (علم وصف طبقات الأرض).

10

عندما يقوم علماء الآثار بالتنقيب، يكشفون ويدرسون تراصف طبقات التربة (الطبقات المتعدّدة تحت سطح الأرض). وإذا لم يجدوا فيها دليلاً على أيّ اختلالٍ ناتجٍ عن عواملَ بشريّة أو طبيعيّة، فيتمّ افتراض أن الطبقات التحتيّة قد ترسّبت قبل الطبقات الفوقيّة. ووصف الجيولوجيا الطبقيّة يُقدّم لنا تسلسلاً زمنياً نسبياً ابتداءً من الطبقات التحتيّة الأقدم حتّى الترسّبات الأثريّة الأحدث المتموضعة في الأعلى.

وبعض المواد التي نسترجعها من هذه الطبقات تصلُح للتأريخ المُطلق. وربّما نجدَ مواد عضويّة (كالعظام مثلاً) صالحة للتأريخ بالكربون المُشعّ، أو أجزاء فخاريّة صالحة لاختبار التألّق الحراري. وفي مثل هذه الحالات بإمكاننا تقرير تاريخ لجميع المواد الأخرى التي توجد في نفس الطبقة.


ترجمة: رامي أبو زرد
تدقيق: ريمون جورج
المصدر


 

عابر سبيل يحاول إضافةَ حرفِ معقوليّة على صفحة هذا العالم المجنون قبل انتهاء الرحلة، مهتمّ بقضايا البعث الحضاري والترجمة والنقد، مترجمٌ متطوّع في فريق ليستات للأسباب السابقة :-)