احد عشر عبقريا عبر التاريخ و اضطراباتهم النفسية المحتملة

lincoln-wild-republican-hair_6

أحدَ عشرَ عبقريًا عبر التاريخ واضطراباتهم النفسيّة المُحتملة


أظهرت الدراسات أنّ نسبة الاضطرابات النفسية لدى القادة السياسيين والعباقرة أعلى منها لدى العامّة. ورغم استحالة اليقين بالتشخيص الدقيق للحالة النفسية لأحد الشخصيات التاريخية، إلّا أنّ هذا لم يثنِ الباحثين عن القيام بالتخمين المدروس.
إليكم مسحًا تخمينيًا للصحة النفسية لأحد عشر من أكبر المفكرين عبر التاريخ.

1- آبراهام لينكولن-ABRAHAM LINCOLN

– الاكتئاب

1

استطاع مُحرّر العبيد العظيم أن يقود بلاده خلال إحدى أحلك الفترات التاريخية التي مرّت بها، رغم الاكتئاب النفسي الحادّ الذي لازمه مُعظم حياته.
ووفقًا لأحد مؤرّخي حياة لينكولن، أشارت بعض الرسائل التي كتبها أصدقاؤه على أنّه “أشدّ الأشخاص الذين عرفناهم كآبةً”. وذاتَ مرّة، اجتاحته نوبة سوداويّة سبّبت له انهيارًا عصبيًا.

ويبدو أنّ والدته والعديد من أفراد عائلته عانوا من نفس أعراض ذلك الاكتئاب الحادّ، ما يعني أنّ لينكولن كان عُرضةً للمرض لخلفيّته الحيويّة العائليّة. ويُعتقد أنّ لينكولن هو الكاتب المجهول لقصيدةٍ نُشِرت في العام 1838 بعنوان “خواطر الانتحار”، جاء فيها:
ألْجحيمَ أخشى؟ وما الجحيمُ بالنسبة لي،
أنا الذي لم أذُق النعيم يومًا؛
بأصدقاءَ يدعّونني للبؤس،
وبأملٍ أدارَ ظهره لي.

2- لودڤيج فون بيتهوفن-LUDWIG VON BEETHOVEN

– اضطراب المزاج ثنائي القطب

circa 1800: Ludwig van Beethoven (1770 - 1827), German composer, generally considered to be one of the greatest composers in the Western tradition. (Photo by Henry Guttmann/Getty Images)

عندما توفي الموسيقار بقصورِ الكبد في العام 1827، كان قد أمضى عقودًا يُداوي نفسه بالكحول لمشاكله الصحية العديدة. والمؤسف في الموضوع أنّه كان من الممكن معالجة مُعظم أمراضه بالأدوية المتوفّرة في يومنا هذا، بما في ذلك حالة الاضطراب المزاجي ثنائي القطب التي ألمّت به.

وكانت حالات الهوس التي تتلبّسه معروفةً لأصدقائه، وعندما كان تحت تأثير أيّ مخدّر، كان يستطيع تأليف مقطوعاتٍ متعدِّدةً في الوقت نفسه.
واللافت في الأمر أنّه ألّف أشهر أعماله الموسيقية عندما كان في أسوأ حالاته النفسية. والمثير للشفقة، أنّه أبدع في تأليفه أيضًا في الأوقات التي فكّر فيها بالانتحار، كما ذكر في رسائل بعثها لإخوته خلال حياته.

في الشهور الأولى للعام 1813، مرّ بيتهوفن بفترة اكتئاب شديدٍ دفعته لِلّامبالاة بمظهره، وسبّبت له نوبات غضبٍ جنونيّ في الحفلات العامّة. وفي تلك الفترة توقّف عن التأليف مُطلقاً.

3- إدوارد مونش-EDVARD MUNCH

– نوبات هلع

220px-edvard_munch_1933

حدثت أشهر نوبات الهلع في تاريخ العالم في أوسلو في بداية العام 1892. وسجّل مونش الحادثة في يوميّاته:
“ذات مساءٍ كنت أسيرُ في أحد الطرقات، وكانت المدينة على طرفٍ والمضيق البحري في الأسفل. شعرتُ بالتعبِ والمرضِ يتمكّنان منّي. توقّفت ونظرت إلى الأسفل مراقبًا المضيق البحري في حين كانت الشمسُ آخذةً بالمغيب، واصطبغت الغيوم بلون أحمرَ قانٍ. وغمرني شعورٌ عميقٌ بأنّ صرخةً ما تشقّ كيان الطبيعة”.

تركت هذه التجربةُ في نفس الفنّان عظيمَ الأثر ما دفعهُ لاسترجاعها مرّة تلو الأُخرى عبرَ رسمِ لوحتين عنها، وصورتين بقلم الباستيل، وصورة حجريّة جميعها مُستلهمةٌ مِن تجربته تلك. وبالإضافة إلى ذلك قام بنَظْم قصيدةٍ مستخدمًا الوصف الذي كتبه في يوميّاته.

ومن غير المؤكّد فيما إذا مرّ مونش بنوباتِ هلعٍ غير تلك، لكن المؤكّد هو أنّ مرضًا عقليًا ما كان في العائلة. كما أنّه في نفس الوقت الذي مرّ مونش بتلك الحالة، كانت أختُه – التي تُعاني من الاضطراب المزاجي ثنائي القطب – مُودعةً في ملجأ للأمراض العقليّة.

4- مايكل آنجلو-MICHELANGELO

– التوحّد

12

لربّما تساءلتَ في نفسك سابقًا كيف يُمكِن لشخصٍ بمفرده أن يرسمَ شيئًا بضخامةِ سقف كاتدرائيَة سيستين. وفقًا لبحثٍ نُشر في دوريّة التأريخ الطبّي Journal of Medical Biography في العام 2004، فإنّ العمل المُبدع الذي استقطب قوى مايكل آنجلو قد يُعزى لاضطرابٍ نفسيّ لديه. وإذا قرأنا ما نقله معاصروه بشأنه، فإنّ الرسّام كان “ذاهلاً عن الواقع، في عالمه الخاصّ”. وتثبت سجلّات عائلته أنّ مُعظم ذكور العائلة عانَوا مِن أعراضَ مشابهة. ويبدو كذلك أنّ مايكل آنجلو كان يجد صعوبةً في التواصل مع الناس وبناء علاقاتٍ معهم، إذ لم يكن عنده أصدقاء كُثُر.. حتّى أنّه لم يحضر جنازة أخيه. وبالنظر إلى جميع ما تقدّم، بالإضافة إلى عبقريّته الواضحة في الرياضيات والفنون، حَذَا بالباحثين للاعتقاد أنّ حالةَ مايكل آنجلو في عالم اليوم كانت ستُشخّص على أنّها توحّد ذو أداءٍ وظيفيّ عالٍ.

5- تشارلز ديكينز- CHARLES DICKENS

– الاكتئاب

dickens_gurney_head

عند بلوغه الثلاثين من عمره، كان تشارلز ديكينز الكاتب الأشهر في العالم. كان ثريًّا وبدا أنّه قد جمعَ المجد من جميع أطرافه، لكنّ مشاكلَ طفولته القاسية للغاية، حيث عمِل في مصنع أحذية ثمّ اضطرّ للعيش وحيدًا عندما زُجّ والدُه في السجن، جميع هذه دفعت الكاتب في هُوّةِ الاكتئاب مع بداية كلّ رواية جديدة يكتبها. وأوّل مشكلةٍ واجهته كانت مع أحد كتبه غير المشهورة كثيرًا، رواية “الأجراس” التي كتبها في العام 1844. بعد ذلك لاحظ أصدقاؤه أنّ ديكينز يكون في حالةٍ نفسيّة مُتردّية كلّما بدأ العمل على مشروع كتابةٍ جديد. لكنّ مزاجه يبدأ بالتحسّن تدريجيًّا حتى يبلغ مرحلةً مِن الهوس الجنوني مع انتهائه من الكتابة. وازدادت حدّة اكتئابه مع تقدّمه في السنّ، وفي نهاية المطاف انفصل عن زوجته -وأمّ أبنائه العشرة – ليعيش مع معشوقته ذات الثمانية عشرة ربيعاً. وقبل وفاته بأربع سنوات تعرّض لحادث قطارٍ لم يُصب خلاله بأذىً ولكنّه اضطرّ لمساعدة الركّاب المُحتضرين قبل وصول النجدة. بسبب هذه الحادثة أخذ الاكتئاب من نفسه مأخذه وحدّ مِن إبداعه. وقَلّ إنتاجه الكتابيّ الغزير السابق إلى درجة قريبةٍ من الانقطاع.

6- تشارلز داروين-CHARLES DARWIN

– رُهاب الأماكن المكشوفة

telechargement

إلى يومنا هذا ما يزال العلماء يتجادلون ما هي بالضبط المشاكل النفسيّة التي عانى منها داروين. ومهما تكن طبيعتها، فقد كانت خطيرة. على الرغم من رحلته المشهورة التي استغرقت خمس سنواتٍ على متن سفينة ذا بيجل (والكتاب المُستتبّع) والتي أطلقت مسارَه المهنيّ المرموق، رغم ذلك قضى داروين معظم حياته غير قادرٍ على الحركة. ركّز هو شخصيًا على الأعراض الجسديّة كمُسبّب لمعاناته، إلّا أنّ الارتعاش الدائم، الغثيان، البُكاء الهستيري، والهلاوس البصريّة (بالإضافة لأمورٍ أخرى) تبدو كأمورٍ تُسبّبها حالةٌ متقدّمة من رُهاب الأماكن المكشوفة. أدّى ذلك به إلى أن يبقى طريح الفراش طوال الوقت تقريبًا منذ أن بلغ سنّ الثلاثين. وخوف داروين من الناس حَذا به لتجنّب الكلام حتّى مع أبنائه. وكتب بهذا الصدد: “أنا مُجبرٌ على العيش… في هدوءٍ، وبالكاد أستطيع مقابلة أحدٍ، ولا أستطيع الكلام مُطوّلاً حتّى مع أقرب الناس إليّ”. وقد ذكر في رسالة واحدة على الأقلّ أنّه يفكّر في الانتحار بسبب نشره كتابه “أصل الأنواع” وعاصفة الجدل التي خلّفها الكتاب، ما سبّب له عظيم الأسى. ومن المُحتملِ أنّه عانى أيضاً مِن مرض الوسواس القهري و/ أو توهّم المرض، بما أنّه سجّل بحرصٍ شديد كلّ عَرَضٍ مرضيّ جديدٍ يمرّ به أو مرّ به سابقاً.

7- وينستون تشرشل-WINSTON CHURCHILL

– الاضطراب المزاجي ثنائي القطب

220px-sir_winston_s_churchill

وكما في حالة لينكولن، كان تشرشل قائدًا عظيمًا لا يخوض صراعاتٍ دوليّةً فقط بل يواجه أيضًا صراعاته النفسيّة في الوقت نفسه. في الثلاثينات مِن عمرِه اشتكى لبعض أصدقائه أنّ “كلب الاكتئاب الأسود” يُطارِده. وجلس في مجلس البرلمان البريطاني وفكّر في الانتحار. وقال تشرشل لطبيبه أنّه يُحاذِرُ أين يقف في محطّة القطار: “لا أحبّ الوقوف قريبًا مِن حافّة رصيف المحطّة عند مرور القطار السريع. بل أرجع للخلف، وإذا استطعتُ، أجعل عمودًا يحجز بيني وبين القطار. وكذلك لا أحبّ أن أقف قريبًا مِن جانب السفينة ولا أن أنظر للمياه في الأسفل. فالموضوع برمّته (الانتحار) لن يستغرق سوى ثوانٍ معدودة، لن يتطلّب سوى بضعَ قطراتٍ مِن الإحباط”. سيُلاحقه ذلك “الكلب الأسود” طوال حياته. عندما كان في حالات اضطرابٍ مُعتدلةٍ، كان أخّاذًا، لكنّ كان مزاجه يتغيّر بسرعة. وخلال حالات الهوس المرضي الشديدة كان يسهر طوال الليل ليكتب، وبذلك أنتج ثلاثةً وأربعين كتابًا، بالإضافة إلى تأدية واجباته السياسيّة.

8- ڤازلاڤ نيجينسكي-VASLAV NIJINSKY

– الانفصام

3166391770_81b3dc5ce9

على الرغم من عدم شهرته في أيامنا هذه، فإنّ “نيجينسكي” كان اسم عائلةٍ في بدايات القرن العشرين. يُعتبر نيجينسكي أعظم الراقصين الذكور في عصره، واشتُهر بأدائه الانفعاليّ، ووَثباته الواسعة، وقدرته الرقص على رؤوس أصابعه -الشيء الذي لم يكُن مألوفًا بين الراقصين الذكور وقتها. وعندما باشر في تصميم رقصات الباليه، أحدثت تصاميم رقصاته العصرية ثورةً في وقتها.

وعند بلوغه سن التاسعة والعشرين، كانت أعراض مرضه قد بدأت تأثّر على عمله. وأمضى بقيّة حياته سائحاً بين مشافي الأمراض العقلية، وكان يَقضي أسابيعَ بأكملها دون أن يتفوّه بكلمة.

9- كيرت جوديل- KURT GÖDEL

– وُهام الاضطهاد

129233-004-ee51baf4

كان جوديل مشتغلاً بعلم المنطق وعالم رياضيات عظيم الشأن، بالإضافة لكونه صديقًا مقرّبًا من ألبرت آينشتاين. ذكاء آينشتاين الخارق جعله يبدو غريبَ الأطوار في عيون الناس العاديين، لكنّه لم يُعانِ من أمراض عقليّة. وعلى العكس من ذلك، فإنّ جوديل كان يعيش في ظلال شكٍّ بأنّ أحدهم سيقوم بدسّ السمّ له. لقد تملّكه هذا الوهم تمامًا لدرجة أنه في أواخر حياته لم يكن يأكل شيئًا سوى ما تطبخه له زوجته. ومع ذلك كان يجعلها تتذوق الطعام قبله، لكي يطمئن قلبه. وعندما اضطرّت زوجته للمكوث في المستشفى لمدة ستة أشهر، لم يأكل جوديل شيئًا حتى مات من الجوع.

10- ليو تولستوي-LEO TOLSTOY

– الاكتئاب

leo-tolstoy_usonian_idea

لم تبدُ على تولستوي أعراضٌ واضحةٌ للاكتئاب حتّى بلغ منتصف العمر. ولكنّها عندما أصابته، أتته بلا هوادة. ومرّ بتحوّلات شديدة في الشخصية دفعته ليشكّك في كلّ شيءٍ في حياته. فكّر أحيانًا في التخلّي عن جميع ممتلكاته الشخصية، وأن يصبح متبتِّلاً، وأن يتخلّى عن معتقداته الدينية (التي لم تكن موجودة ربّما).

وفي مرحلةٍ معيّنة قرّر التوقّف عن الكتابة كليِّاً، قائلاً: “ليس الفنّ بلا أهمية فقط، بل ذا ضرر”. يقدّم تولستوي المثال الأبرز على الشخص الذي حطّم مرضه جميع أشيائه الحبيبة: فعلى الرغم من كونه ينتمي لعائلة ثريّة، وشهرته ككاتبٍ مرموق، وكونه أبًا لثلاثة عشر من الأبناء، إلّا أنّ شياطينه دفعته للتفكير جديًّا بالانتحار.

كتب في إحدى رسائله: “مُنِحَ المرءُ فرصة إنهاءِ حياته، ولذا فله أن يُنهيها بيده.” ولكن في نهاية المطاف، أنقذ تولستوي نفسه من تلك الهوّة السحيقة بأن أصبح ما يمكن وصفه بلغة اليوم “مسيحي مولود من جديد”.

11- إسحق نيوتن-ISAAC NEWTON

– جميع قائمة الأمراض

220px-godfreykneller-isaacnewton-1689

يُعتبر أحد أعظم العلماء عبر التاريخ والعبقريّ الذي يصعب تشخيص حالته، ولكن المؤرخين يتفقون على أنّه كان يُعاني الشيء الكثير. عانى نيوتن من تقلّبات حادّة في مزاجه، ما يدلّ على الاضطراب المزاجي ثنائي القطب مُضافًا إلى نزعاتٍ ذُهانيّة. وعدم قدرته على التواصل مع الناس قد تضعه على طيف التوحّد.

وكما اعتاد أن يكتب رسائل ملأها بهلاوس مجنونة، ما فسّره بعض المؤرخين الطبيين على أنّه دليلٌ قويّ على الانفصام.
ولا يهمّ عدد الأمراض الخطيرة التي ألمّت به، إذ لم تمنعه من اختراع علم الحساب، وتوضيح مبدأ الجاذبية الأرضية، وصناعة التلسكوب، بالإضافة لمنجزاته العلميّة العظيمة الأخرى.


ترجمة: رامي أبو زرد
تدقيق: جعفر الجزيري
المصدر


 

عابر سبيل يحاول إضافةَ حرفِ معقوليّة على صفحة هذا العالم المجنون قبل انتهاء الرحلة، مهتمّ بقضايا البعث الحضاري والترجمة والنقد، مترجمٌ متطوّع في فريق ليستات للأسباب السابقة :-)