عشر عبر ودروس على المجتمعات المعاصرة استلاهمها من سقوط روما

على مر الزمان هنالك حضارات تصل أوج عظمتها في حين أخرى تسقط وتصبح خاوية مدمَّرة وربما تُبنى حضارة جديدة على أنقاض تلك الهالكة.

تمر السنين وتصبح تلك الحضارات مجرد فصول في بطون كتب التاريخ، لدراسة أسباب عظمتها وأسباب انتصارتها وأنكساراتها وسقوطها، ليستلهم الجيل الجديد العبر منها قبل أن يصبح هو نفسه درسًا جديدًا في الكتب ذاتها.

لذا نحن هنا لنقدم أهم عشرة أسباب أدت الى انهيار إحدى أعظم إمبراطوريات المعمورة؛ روما :

10: العمالة الأجنبي.

في أوج عظمتها، كانت الإمبراطورية الرومانية غنية جدًا، لكن مجرد كَون الدولة ثرية لا يعني شعبًا غنيًا مرفهًا، لأن أموال الإمبراطورية الرومانية في خدمة الإمبراطور والحكومة دائمًا وأبدًا.

فبدلًا من توظيف شعبها، عمدت الإمبراطورية الرومانية إلى استقدام عمالة أجنبية لأداء معظم أشغال الدولة ومتطلباتها، تاركين معظم الشعب في بطالة، معتمدين على الدعم الحكومي المحدود والصدقات.

في وقتِنا الحاضر يصعب على أي دولة سلوك نهج الإمبراطورية المُنهارة ذاته، لكن أغلب متطلبات الدولة يتم استيرادها من الخارج، كمثال فإن 60% من مشتريات الشعب الأمريكي مستوردة، والصين اليوم تقوم بصنع 50% من ملابس العالم و 70% من هواتفهم النقالة.

الدرس الذي يجب استلهامه من سقوط روما، هو ماذا حدث فيما بعد ؟

العمالة الأجنبية التي تمثل عصب الاقتصاد بدأت بالتمرد وطلب المزيد.

والشعب نفسه استاء و ثار متأثرًا بتعاليم المسيحية الرافضة للرق، وبعدها انهار كل شيء.

9 : جوع وفقر وبدانة.

لم يكن الشعب الروماني بدينًا، لأن معظم أفراد الشعب كان يكافح من أجل لقمة العيش.

بينما كان الإمبراطور وأصدقاؤه الأغنياء يقضون أجمل الأوقات بين الولائم والحفلات حتى يتقيئون الأكل على كثرته.

حتى أن بعض القصص تروى عن نجاة يوليوس قيصر من محاولة اغتيال حين خرج مرة يتقيأ بعد إحدى الولائم.

واليوم يعاني الفقراء أيضًا من البدانة وخصوصًا في الجنوب الأمريكي، حيث ثلث الشعب يعانون البدانة وأيضًا تزداد احتمالية الإصابة بداء السكري ضعفين عند من يبلغون 20 عامًا.

أما فيما يخص سقوط روما فبسبب ما ذكرناه عن الوضع آنذاك فذلك أمر طبيعي لأنهم جعلوا معظم شعبهم يستاء ويتحول ضدهم لما كان يعانيه من جوع وحروب ومشاكل صحية.

8 : حديث العهد بالثراء، ينسى ماضيه.

إحدى أكبر مشاكل روما القديمة كان الصراع الدائم بين طبقتي النبلاء “الباتريكيان” والطبقة الدنيا من عامة الشعب”البليبس”.

كما يحدث في ثورات ونضال الشعوب في العصر الحديث، دائمًا ما كان يقاتل البليبس من أجل نيل حقوقهم المسلوبة، وحين يحققون مبتغاهم ويستردون حقوقهم العادلة وتسنح لهم الفرصة للعب دورًا مهمًا في سياسات روما وأيضًا تحقيق ثروة لا بأس بها، فيساعدون بعض أعوانهم ويضعوهم في مراكز السلطة.

وبعدها يتراجعون منتظرين من أصدقائهم القدماء بناء المدينة الفاضلة التي طالما حلموا فيها، لكن لا شيء من هذا القبيل يحدث، الأصدقاء القدامى أصبحوا أغنياء يعيشون بترف ويتمتعون بالسلطة، لم يدرك البليبس ذلك إلا عندما أصبحت الدولة تعاني ركودًا أقتصاديًا جديدًا، حينها الفقير بقي فقير والغني ازداد ثروة.

7 : من له دين بذمتك بإمكانه التحكم فيك.

بعد إسقاط روما من قبل الإغريق، اضطرت الدولة إلى ضخ أموالها في نواحي الدفاع.

ذلك أدى إلى ارتفاع الضرائب وإفلاس الفقراء، وإغراق معظم أبناء شعب روما في ديون لايجدون سبيلًا غيرها للخروج من أزمتهم، الأمر الذي يبدوا مألوفًا كثيرًا بالنسبة لنا في الوقت الراهن.

على سبيل المثال لا الحصر في أمريكا كثير من طلبة الجامعات يضطرون إلى ترك مقاعدهم الدراسية بسبب ديون قد تبلغ أكثر من 37,000 دولار سببها قروضًا دراسية.

ليس ما ذُكر أنفًا هو الأسوء، بل في دول مثل أستراليا والنرويج وسويسرا وهولندا والدنمارك قد يبلغ معدل دين الفرد ضعف دخله الشخصي!

نعود في عجلة الزمن مرة أخرى حيث روما وسقوطها، فقد قام عامة مواطني روما بالضغط على الحكومة لإطفاء أو تخفيف ديونهم المتراكمة كان لهم ذلك، مقابل استغلالهم والتحكم بمقدراتهم من قِبل الساسة خصوصًا في وقت الإنتخابات.

“الخبز والسيرك” مثل روماني قديم يوضح حالة الناس وقت ذاك؛ حيث كانت همومهم تنصب على الطعام والترفيه والتخفيف من أعباء ديونهم.

6 : طبع نقود كثيرة لايعني اقتصادًا مزدهرًا.

التضخم وليس شيء آخر، هو نتيجة الخطأ الكبير الذي وقع فيه الإمبراطور الروماني نيرون حين راودته فكرة تقليل نسبة الفضة المستخدمة في سك النقود آنذاك، وبذلك سوف تتمكن الدولة من سك نقود أكثر من ذي قبل.
بعد مرور مئتي عام أصبح سعر القمح مئتي ضعف سعرها في ما مضى والنتيجة واضحة، أصبحت العملة الرومانية عديمة القيمة.

في الوقت الحاضر حذرت الصين الولايات المتحدة صاحبة الناتج المحلي الإجمالي الأعلى في العالم -التي أصبح دينها الأعلى في العالم أيضًا- من انهيار اقتصادها بالكامل بسبب بيعها الكثير من سندات الخزانة وكذلك طبع الأموال بكثرة.

5 : البرابرة.

روما الإمبراطورية التي لا تقهر التي خاضت الكثير من الحروب الشرسة ضد المصريين والإغريق ودائمًا ما يكون النصر حليفًا لها الأمر الذي يكون أشبه بقاعدة ثابتة.

ولأن لكل قاعدة شواذ فإن هذه الدولة العتيَّة التي لا تُقهر تُسحق حين يكون التهديد من قِبل البرابرة.

كل شيء بدأ حين قام “أتيلا الهوني” باجتياح الإمبراطورية الرومانية الغربية.

بالنسبة للرومان كانت حرب ضد البداءَة والتخلف والهمجية، إنها حرب ضد رجال الكهوف، وفي وقتنا الحاضر يخوض العالم حربًا هي أشبه بحرب الرومان ضد البرابرة، إنها الحرب ضد الإرهاب والتطرف ودعاة التعصب.

4 : قضوا على أنفسهم بأنفسهم.

لم تسقط روما بفعل أتيلا الهوني وجنوده، بل فعلها القوطيون وقائدهم الاريك الذين اجتاحوا عاصمة بلاد الرومان في وقت كان فيه الجيش الروماني أضعف من أن يتمكن من صد هجوم جحافل البرابرة، وقد يكون سبب ذلك كَون معظم أفراد الجيش الرومان في الأصل برابرة.

الاريك القوطي ومن معه كانوا قد تدربوا على أيدي الرومان فيما مضى، حيث كانت سياسة روما قائمة على تجنيد البرابرة والإغريق لسد النقص في الجيش لدرجة إطلاق أبناء الشعب على جيش بلادهم اسم جيش البرابرة.

مافعله الرومان مع الاريك وجنوده في قديم الزمان فعلته الولايات المتحدة مع أسامة بن لادن وأتباعه المتطرفين طالبان خلال حرب السوفييت وأفغانستان.

دربتهم وسلحتهم بصواريخ ستينغر كما درب الرومان البرابرة وسلَّحوهم، فهل ستنال الولايات المتحدة مصير روما ذاته؟

3 : كونك عظيمًا سيجعل منك هدفًا.

كوْن دولة ما من القوى العظمى في العالم سيجعلها أكبر هدف في العالم، ذلك بالضبط ما حدث مع روما القديمة حين كانت تمثل القوى العظمى والهدف الأكبر في العالم، في الوقت ذاته ولحل تلك المشكلة ركزت روما معظم إنفاقاتها على الجيش والتسليح.

أمريكا سلكت النهج ذاته وركزت معظم إنفاقاتها على مجال التسليح حتى أنفقت ثلث ما ينفقه العالم أجمع على جيوشه، بحجم إنفاق بلغ 598.5 مليار دولار في العام الواحد في مجال التسليح منذ هجمات سبتمبر.

في روما أصبح الوضع في غاية السوء حين ارتفعت ميزانية الجيش، حصل نقص في موارد الصرف الأخرى ولتعويضه اتجهت الحكومة لزيادة الضرائب الأمر الذي أدى إلى زيادة البطالة والفقر حتى خرج الناس جموعًاغفيرة تملأ شوارع روما في احتجاجات كبرى ضد الحكومة.

2 : تناحر وتجارة ومصالح.

ربما لم يكن الخطر يهدد روما من قبل أولئك الذين يريدون حرقها، بل من الذين سمحوا أن تكون روما مسيطَر عليها من قبل الفرثيين، الإمبراطورية الشرقية التي لاتهزم أبداً.

في وقت مبكر حاول الرومان والفرثيين تدمير بعضهما البعض ولكن ذلك لم يكن ممكنًا نظرًا لقوة كل منهما، وفي نهاية الأمر فرض السلام نفسه كحل.

بعدها دخلوا مع بعضهما البعض كحلفاء تجاريين، لا توجد مكان للثقة بينهما وكل منهما أراد إلحاق الضرر بمصالح الآخر، تمامًا كما يحدث اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

حتى أن سفير سلام قومية الهان الصينية حين أراد الوصول إلى روما قام الفرثيين بمنعه ثم إبعاده فأدرك أن الفرثيين يريدون عمدًا تفريق البلدين للسيطرة على مقدرات روما التجارية.

1 : روما لم تسقط بين ليلةٍ وضحاها.

لم يكن سقوط روما وليد الصدفة، ولم تسقط حضارة بحجم روما بمجرد طرق جيوش البربر لبابها، بل كان ذلك بسبب تراكمات لمئات السنين لقرارات خاطئة في وقتها كانت تبدوا جدًا صائبة.

صراعات وتناحرات بدأت تعصف بمعظم أنحاء الإمبراطورية الرومانية، بالإضافة إلى التغييرات الدينية والمشاكل الاقتصادية كل تلك العوامل أدت إلى تقسيم الإمبراطورية الى عدة أجزاء بوقت قليل قبل أن تصبح إمبراطوريتين مختلفتين بحلول العام 364 قبل الميلاد، بعد ذلك بحوالي 100 عام سقطت الإمبراطورية الغربية بالكامل بقبضة البربر.

لم تكن تلك هي النهاية الحقيقية للإمبراطورية الرومانية بل حمل جزئها الشرقي أسم الإمبراطورية البيزنطية واستمرت صامدة لأكثر من 1000 عام بعد التقسيم ونجت من الحرب الساسانية والفتوحات الإسلامية والحملات الصليبية قبل أن تبتلعها الإمبراطورية العثمانية.

النهاية ذاتها ستُلاقيها الدول التي تسير على نهج روما حروب كثيرة ومشاكل اقتصادية كبيرة ستجعل منها يومًا ما مجرد فصول في كتب التاريخ.


  • ترجمة : حمدالله الياسري
  • تدقيق: حسام التهامي
  • المصدر

مهندس عراقي ومحاضر في كلية الهندسة ،أنا هنا لكي انقل لكم المعلومة بأمانة وكذلك لأمارس هوايتي المفضلة الترجمة