عشرُ أمورٍ لم تعرِفها من قبل عن فيودور دوستويفسكي

ستعترفُ بالتأكيدِ أنّ رجُلًا عظيمًا يقفُ وراءَ الإبداعِ والتعقيدِ الذي ستلحَظُه كلّما فتحتَ كتاباً لفيودور دوستويفسكي.

إذ يجعلُ أيقونةُ الأدب الروسي القارئَ مُطلعًا في رواياتِه على مكامنِ وتعقيداتِ النفسِ البشرية؛ لسنا هنا بصددِ الحديثِ عن مؤلفاتِ الرجل، وإنّما بصددِ الحديثِ عن الرجُلِ ذاتِه، سَتَجِدُ هنا عشرَ أمورٍ يجبُ أن تعرفَها عنه:

1- نشرَ روايتَه الأولى وهو ابنُ الخمسةِ والعشرين ربيعًا:

فيودور دوستويفسكي حظِيَ بحياةٍ مثاليةٍ لِكونِه من عائلةٍ نبيلةٍ، ولذاتِ السبب، حصلَ على تعليمٍ ممتاز؛ لم يكن في بالهِ أنْ يكونَ كاتبًا، إذِ التَحقَ بمعهدِ الهندسةِ العسكرية التي لم تكنْ رغبتَه أبدًا.

أمّا بداياتُه مع عالمِ الكتابةِ فكانتْ من خلال ترجمتِه لبعضِ الأعمال الفرنسيةِ الى اللغة الروسية.
في العام 1845، تركَ عالمَ الترجمةِ وكتبَ روايتَه الأولى، كان حينها قد أكملَ للتوِّ عامَه الخامسَ والعشرين .
 -الفقراء- او -المساكين- كان هذا هو اسمُ باكورةِ أعمالِ فيودور دوستويفسكي، والتي تُصنَّفُ كإحدى الرواياتِ الاجتماعية.

2- دستويفسكي هو صاحبُ الروايةِ الوجوديةِ الأولى:

بعد أن كتبَ سورين كيركجارد نصوصَه الأولى، والتي أطّرَ خلالها أساسياتِ الفلسفةِ الوجودية؛ لم يستغرقْ فيودور دوستويفسكي وقتًا طويلًا حتّى كتبَ أولَ روايةٍ وجوديةٍ بعنوان -مذكرات العالم السفلي- او -الإنسان الصرصار-.
 شدّد دستويفسكي فيها، حرصَه على تكريسِ أهمِّ مبادئ الفلسفةِ الوجوديةِ من خلالِ التركيزِ على مفهومِ أن الإنسان كفردٍ مُستقِلٍ، يقوم بتكوينِ معنىً جوهريٍّ لحياتِه.

ظهرت بعدها رواياتٌ عديدةٌ تَتَخذُ الموضوعَ الفلسفي ذاتَه، وأهمّ تلك الرواياتِ هي -المحاكمة- لفرانز كافكا، – الغريب- لألبير كامّو وكذلك مسرحية -في انتظار غودو- لصمويل بيكت.

3- حُكِم عليه بالإعدام في إحدى المرّات:

في فترة الأربعينات من القرن التاسع عشر الميلاديّ، انضمّ دوستويفسكي إلى حلقةٍ أدبيةٍ كان هدفُها الأساس يدور حولَ موضوعِ الإصلاح الاجتماعي.
 كانوا يقرأون كتُبًا ممنوعةً، ويتداولون مواضيعًا سياسيةً ويبحثون عن إمكانيةِ تغيِير وتوعيةِ المجتمع، في وقتٍ كانت مثلُ هذه الأمور تُعتبر تجاوزًا للخطوط الحمراء لكونِها تثيرُ غضبَ الطبقةِ التي تقودُ الجوَّ السياسي في أوربا.

لكن سرعان ما أُلقيَ القبضُ عليه وأُرسِل ومن معه إلى زنازين في سجونٍ شديدةِ الحراسة، قضوا فيها شهورًا صعبةً، بعدها حُكِم عليهم بالإعدام.

قبل لحظاتٍ من تنفيذِ الحكم بحقِّه، وصل رسولُ القيصر حاملًا معه طوقَ نجاةٍ له، حيث خفّف حكمه إلى نفيٍّ لثمانِ سنواتٍ يقضيها في سيبيريا مع الأشغال الشاقة.

4- والِداه، وغرسُهم حبّ الأدبِ في قلبه:

كما تمّ ذِكرُه مُسبَقًا، ترعرع فيودور دوستويفسكي في أحضانِ عائلةٍ ثريةٍ جدًا، إذ تعتبر تعليمَ أولادِها أولويةٍ قصوى لها.
حتّى أنّ مربيتَه الخاصةَ كانت تقرأ له القصصَ والأساطيرَ القديمةَ وهو لا يزال في الثالثةِ من عمره، وحين أتمّ عامَه الرابعَ، بدأت والدتُه باستخدامِ الكتاب المقدس لتعليمِه القراءة والكتابة.

فَحُبُّه الأبدي للأدب قد غرسَه والداه في قلبه منذ كان طفلًا، ولم يقتصر هذا الحبّ على الأدباء الروس من أمثال الكسندر بوشكين الذي يُعتبر أبو الأدب الروسي وحسب، بل امتدّ إلى أيقوناتِ الأدب العالمي كميغيل دير ثيربانتس، يوهان فان غوته وهوميروس.

5- كان مصابًا بالصرع:

بينما كان عقلُه وفِكرُه في أحسن حالٍ، إلّا أنّ جسمَه لم يكن كذلك، كان الوضعُ مختلفًا؛ في العام 1839، وفي الوقت الذي كان يؤدي فيه خدمتَه العسكريةَ، بدأت نوبات الصرع تلازمُه بين وقتٍ وآخر، وكان حينها ابنَ الثمانيةِ عشر ربيعًا.

ازدادَ وضعُه الصحي سوءًا حينما كان في منفاه السيبيري، حيث اشتدّت نوباتُ الصرع عليه، وبالرغم من كونِه مُطالبًا بإكمالِ فترةِ خدمتِه العسكرية بعد انقضاءِ مدةِ نفيِّه وعودتِه، إلّا إنّه عُفِيَ عن ذلك نظرًا لسوءِ حالتِه الصحية.

الصرع وأسبابٌ أخرى مجتمعةً أدّتْ بمرورِ السنوات الى وفاته عام 1881 وهو في التاسعةِ والخمسين عامًا.

6- كان الملهِمُ الأكبر والمثلُ الأعلى للكُتّابِ الذين تلوهُ:

فيودور دوستويفسكي وحدُه من ينطبقُ عليه المثل القائل “يجلسُ على أكتافِ العمالقة “، وبضمنهم العمالقةُ ذاتُهم الذي قرأَ مؤلفاتِهم حينما كان طفلًا.

إذ كان مثلًا أعلى لكُتّابٍ ذاع صيتُهم بعده، أمثال فرانز كافكا، الذي كان تأثُّره بأيقونةِ الأدب الروسي جليًا في أعماله، وكذلك أرنست هيمنغواي، جيمس جويس ونيتشه ايضًا.

أما فرويد فقد مدحه قائلًا: “إنّه الوحيد الذي يستطيع الغوصَ في الأعماقِ المظلمةِ للنفسِ البشرية وتحليلِ خباياها وتناقضاتِها بسهولةٍ ويسرٍ في جُلِّ أعمالِه”.

7- قيصر روسيا يريدُه معلمًا لأولاده!

في سنواتِ عمرِه الأخيرة، نال فيودور دوستويفسكي شهرةً واسعةً، وانتشرت أعمالُه بكثافة وأصبح لها صدىً واسعًا في روسيا وفي باقي بلدان أوربا.

في إحدى المراتِ، وبعد عودتِه الى بلده الأم من رحلةٍ علاجيةٍ في ألمانيا، أرسلَ إليه القيصرُ ألكسندر الثاني دعوةً لزيارتِه وليُطلِعَهُ على واحدٍ من أعمالِه القادمة.

بعد الاستقبالِ والترحيب به، طُلب من فيودور دوستويفسكي تعليم ولديه الاثنين اللغةَ والأدب.

لا غرابةَ من أن مجرد صدورِ هكذا طلبٍ من القيصر أن يزيدَ شهرتِه ويوسّعَ دائرةَ معارفِه وأصدقائه من الطبقة السياسية العليا في البلاد.

8- كان عضوًا فخريًّا في الجمعيةِ الفنية والأدبية العالمية:

حين اقتربَ موعدُ وفاتِه، بدأت شهرتُه تجوب الأرجاء؛ ففي عام 1879، وهو العام ذاته الذي فقد فيه ولده -اليوشا- تلقّى فيودور دوستويفسكي دعوةً لجمعيةٍ تمّ تأسيسُها قبل عامٍ واحد في فرنسا.

هذا الحدث وضعَه ومجموعةً من الكبار في مرتبةٍ واحدة، بضمنهم فيكتور هوغو، ليو تولستوي، هنري لونغفلو ورالف إيمرسون.
 إذ يعود فضل حفظ حقوق المؤلفين خاصةً والفنانين عامةً لهذه المجموعة التي لا تزال مستمرةً إلى يومنا هذا.

9- كانت له علاقاتٌ نسائيةٌ متعددة:

كانت لدوستويفسكي علاقاتٌ نسائية متعددة، أحدُها كانت قبل زواجِه الأول.

لم يكن دستويفسكي متأكدًا من مشاعرِ فتاتِه تجاهَه، فتقدّم لخطبتِها لكنها رفضته.

تزوّج بعدها ولم يمنعْه زواجُه من الدخول بعلاقتين، الأولى كانت مع ممثلةٍ كوميدية، والثانية كانت مع امرأةٍ أحبّها كثيرًا رغم أنانيّتها الكبيرة التي لمسها فيها.

توفيّت زوجتُه الأولى عام 1864، ليتعرفَ فيما بعد على آنّا غريغروفا، التي كانت تعمل معه ككاتبةٍ ثانويةٍ أثناء كتابتِه روايةِ المقامر، فأحبها وتزوّجها وهي بعمر الواحدِ والعشرين ربيعاً، وحين فارق الحياة كانت بعمر الخامسِة والثلاثين عاماً، ولم تتزوج بعده أبدًا.

10- كان مسيحيًا أرثوذُكسيًا مخلصًا في بدايةِ حياتِه:

إلى جانبِ اهتمامِه بالنفس البشريةِ، كان للكاتبِ الكبير فيودور دوستويفسكي اهتماماً آخرًا وهو الأديان والمذاهب، وخصوصًا الكنيسة الأرثوذكسية الروسية.
 نشأ دستويفسكي مسيحيًا أرثوذكسيًا مخلصًا، لكن إخلاصَه هذا بدأ بالتزعزُعِ مع مرورِ الوقت، وذلك بسببِ اختلاطِه بالكهنةِ في معسكراتِ العمل أثناء تواجده في منفاه السيبيري، حيثُ بدأت قناعاتُه الشخصيّة بالتغير.

مع ذلك فقد صرّح ولأكثرِ من مرةٍ عن إخلاصِه الأبدي للمسيح كَشخصيةٍ، حتّى وإن طرأ تغيُّر على شكل إيمانِه واعتقادِه.

بالرغم من أنّه لمّح لذلك كلّه في عديدٍ مؤلفاتِه، إلّا أنّه لم يجهرْ بحقيقةِ معتقداتِه أبدًا، مما فسحَ المجالَ للعلماءِ لنقاشِ هذا الموضوع حتّى يومِنا هذا.


ترجمة: حمدالله الياسري
تدقيق: نورا برهان الدين
المصدر

مهندس عراقي ومحاضر في كلية الهندسة ،أنا هنا لا نقل لكم المعلومة بأمانة وكذلك لأمارس هوايتي المفضلة الترجمة