عشرُ عالِمات رائعات قَفَزن بنا نحو الفضاء

ساهم العديدُ من العلماء عبر مختلف الأزمنة والعصور في رسم الصورة التي نملكها اليوم عن الفضاء الخارجي، وبينما قُوبلت جهود البعض بالكثير من العرفان، فإنّ التاريخ بالكاد يتذكّر أسماء البعض الآخر، فعالِمُ الفضاء السويسري (فريتز زويكي Fritz Zwiky) مثلاً قلّ من يعرفه، حيث أنّ إنجازاته العلمية على روعتها تمّ تجاهلها لا لشيء سوى لأنّها لم تُعجِب مُعاصريه من العلماء.

ومع أنّ العديدَ من العلماء الآخرين راحت ذكراهم طي النسيان، إلاّ أنّنا سنحاول في هذا المقال استرجاعَ سِيَر بعض العالمات اللواتي لم تكتفين بخوض معارك علمية فحسب، بل خضن معارك أشرس حتى تمكنَّ من ولوج الحقل العلمي في المقام الأوّل، ورغم كل الصعوبات التي اعترضت طريقهنّ، فقد ساهمن في إثراء فهمنا للفضاء الخارجي، لذا ارتأينا التعريف بهنّ ولو بشكل موجز في هذه السطور.

1- كاثرين جونسون Katherine Johnson (وُلدت 1918)

وُلدت كاثرين جونسون في ولاية فيرجينيا الأمريكية سنة 1918، ونبغت منذ صغرها في الدراسة، فدخلت المدرسة الثانوية وهي في سن العاشرة، ثمّ وهي في سن الخامسة عشر التحقت بالجامعة، لتتخرّج بعدها بثلاث سنوات حائزةً على شهادتي البكالوريوس في الرياضيات والفرنسية، ثمّ زاولت مهنة التعليم لفترة قبل أن تلتحق في سنة 1953 باللجنة الاستشارية للملاحة الجوية (NACA)، سلف وكالة ناسا (NASA)، للعمل كرياضية في قسم القيادة والملاحة.

لم تكتفِ جونسون كزميلاتها في العمل بالمهام الموكلة إليها، بل راحت تطرح الكثيرَ من الأسئلة، مستفسرةً عن أدقِّ التفاصيل، ما جعلها محل اهتمام مرؤوسيها الذين رأوا في ذهنيتها الاستقصائية فرصة استثمارية ناجحة، فسمحوا لها بحضور الدورات مع الرجال، في خطوة جريئة جدا بمعايير تلك الحقبة، كما ساعدتها خبرتها في علم الهندسة على تبوّؤ مراكز قيادية حينما بدأت (NACA) بالعمل على برنامج غزو الفضاء، قبل أن يتمّ استدعاءها لتكون جزءاً من الفريق المكلّف بإنجاح مهمّة الصعود إلى القمر وهي المهمّة التي كان تعهّد بها الرئيس الأمريكي الأسبق جون كينيدي John F. Kennedy، فتكفّلت جونسون في البدء بحساب مسار الرحلة الفضائية التي قام بها آلان شيفرد Alan Shepherd سنة 1961، وبعدها رحلة جون غلين John Glenn سنة 1962، وفي النهاية أثمرت جهودها في نجاح رحلة مركبة أبولو Apollo إلى القمر سنة 1969.

تقاعدت جونسون سنة 1986 بعد 33 سنة من العطاء المتواصل، و واصلت المساهمة في الحقل العلمي، فراحت تدعو الطلبة في محاضراتها إلى الاقبال على المهن العلمية والرياضية، حيث يعترف العديدُ من علماء اليوم بفضل السيّدة جونسون فيما وصلوا إليه، وتقديراً لجهودها، أُطلق اسمها في سنة 2011 على معهد العلوم والتكنولوجيا بأكاديمية ألفا في مدينة “فاياتفيل Fayetteville”.

2- كارولين هرشل Caroline Herschel (عاشت 1750-1848)

الطفولة الأليمة والبدايات الصعبة لكارولين هرشل، أو “سندريلا العلوم” كما يسميها البعض، لم تمنعها من أن تصبح عالمة فلك متميّزة، كارولين التي وُلدت في ألمانيا سنة 1750 أصابها مرضُ الجدري وهي في سنّ الثالثة مخلّفاً على وجهها عاهات مستديمة، ثمّ توقفّ نموّها وهي في سنّ العاشرة عند الـ 130 سم إثر تعرّضها لحمّى التيفوئيد، وهو ما جعل والدها ييأس من احتمال أن تتزوّج ابنته يومًا ما، وسرعان ما استسلم لطلب والدتها التي ظلّت منذ صغرها تردّد بأنّ ابنتهما لا يليق بها سوى أن تعمل كخادمة طوال عمرها.

امتدّ حبل النجاة لكارولين حينما بلغت سنّ الثانية والعشرين، حيث طلب منها أخوها السير وليام هرشل William Herschel بأن تلتحق للعيش معه في مدينة باث Bath بإنجلترا، وكان وليام عازفاً مميزاً كما كان مولعاً بعلم الفلك، فعلّم أخته الموسيقى والرياضيات لتصبح مغنّية رائعة، ولكنّ الأخوين قرّرا التخلّي عن الموسيقى والتفرّغ كليّاً لأبحاثهما الفلكية، فقد أظهرت كارولين موهبة فذّة في صناعة التلسكوبات كما أبهرته قدرتها على القيام بحسابات رياضية شديدة التعقيد رغم أنّها لم تحفظ جدول الضرب يوماً.

لم تكتفِ كارولين بمساعدة أخيها في أبحاثه، بل اكتشفت بنفسها ثلاث سدم nebulae وثماني مذنّبات، ليُسجّل اسمُها كأوّل امرأة تكتشف مذنّباً في التاريخ، كما أعدّت قوائمَ بأسماء ومواقع السدم والمذنّبات، وسجّلت اكتشافات أخيها السير ويليام، ومن بينها اكتشافه كوكب أورانوس سنة 1781.

نالت كارولين هرشل في سنة 1828 الميدالية الذهبية للجمعية الملكية الفلكية وفي 1846 نالت ميدالية من ملك بروسيا، وماتت عام 1848 وقد بلغت الثامنة والتسعين.

3- آني ايسلي Annie Easley (عاشت 1933-2011)

كانت ولاية ألباما الأمريكية لا تزال ترزح تحت وطأة نظام الفصل العنصري حينما جاءت إلى الوجود عالِمة الصواريخ الأمريكية من أصول افريقية “آني ايسلي”، ومع ذلك فقد أدركت في سنّ مبكّرة جدّا أهميّةَ التعليم، حيث صرّحت في حوار صحفي أجرته سنة 2011 أنّ الفضل فيما وصلت إليه يعود لوالدتها التي لطالما ردّدت على مسامعها: “في وُسعكِ أن تكوني كلّ ما تريدين، شكلكِ وطولكِ ولونكِ كلّها مجرّد تفاصيل لا تعني الكثير.. باستطاعتكِ أن تصبحي ما تريدينه شريطة أن تبذلي جهداً لبلوغ مبتغاكِ”.

في بداية دراساتها الجامعية، تخصّصت ايسلي في علوم الصيدلة، ولكنّها اضطُرّت للابتعاد عن هذا المجال بعد أن تزوّجت وانتقلت مع زوجها إلى مدينة كليفلند Cleveland، حيث كانت كلّية الصيدلة في تلك المدينة قد أُغلقت لتوّها، ولحُسن حظّها فقد تناهى إلى مسامعها فرصة الالتحاق باللجنة الاستشارية للملاحة الجوية (NACA)، وهي الفرصة التي ارتأت فيها امكانية استثمار قدراتها الحسابية، وبهذا انضمّت سنة 1955 إلى فريق عمل NACA.

بعد أن تحوّلت وكالة NACA إلى NASA، أصبحت ايسلي “تقنية حسابات”، فالوكالة الجديدة اكتسبت حواسيب آلية للقيام بالحسابات وما عادت بحاجة للقيام بتلك المهمّة يدويًا، وبينما استمرّت ايسلي بالعمل بدوام كامل في وكالة ناسا، التحقت بجامعة كليفلند للحصول على شهادة في الرياضيات، واضطُرت لدفع كافّة مصاريف دراستها من جيبها، على عكس زملائها من الرجال، والذين كانت ناسا تدفع عنهم تكاليف دراستهم.

لم تخلُ مسيرة ايسلي المهنية من بعض المواقف المهينة، فقد تعمّد بعضُ زملائها إحراجها حينما قاموا عمداً باقتطاع وجهها من صورة جماعية عُرضت في حفل استقبال كان قد أُقيم على شرفهم، لاحقًا صرّحت ايسلي تعليقًا على هذه الحادثة: “أدركُ تمامًا أنّ بعض الناس يحرّكها التعصّب والتصوّرات النمطية المسبقة، لكن مبدئي لطالما كان (ما دُمتُ لا أستطيع العمل معك، فسأتخطّاك وأستأنف العمل لوحدي)، هذه الحادثة ما كانت لتدفعني للانسحاب، ربّما كان الاستسلام حلاً يستهوي البعض، لكنّه قطعاً لم يكن ضمن قائمة الحلول خاصّتي” .

تعلّمت ايسلي فنون البرمجة وشاركت في تحليل مصادر الطاقة البديلة، كالشمس والرياح، بهدف البحث عن استعمالات بطاريات التخزين وتحديد عُمُرها، وقد أسهمت دراساتها في تطوير البطاريات المستخدمة اليوم في السيارات الهجينة، كما شاركت ايسلي في إنجاح نظام إطلاق الصواريخ متعدّدة المراحل (multistage rocket)، حيث قامت ببرمجة نظام المرحلة العليا (upper stage rocket) المعروف باسم Centaur، والمسؤول عن إطلاق جميع ما أرسله البشرُ نحو الفضاء، بدءاً بالأقمار الاصطناعية السابرة لأحوال الطقس، وليس انتهاءً عند المركبة الفضائية Cassini التي تلفّ مدار كوكب زحل منذ سنة 2004 لتزوّدنا بأكبر قدر من المعلومات عن ثاني أكبر كوكب في مجموعتنا الشمسية.

4- ماريا ميتشل Maria Mitchell (1889-1818)

كانت ميتشل دائما تقول:” نحنُ بحاجة لإعمال مخيّلتنا في الحقل العلمي، فالعلم بالنهاية ليس منطقاً ورياضيات فحسب، بل هو جَمالٌ وشِعرٌ كذلك.”.

ميتشل المولودة في ولاية ماساشوستس سنة 1818، تُعتبر أوّل عالمة فضاء أمريكية، وقد تلقّت أوّل دروسها في هذا المجال على يد والدها الذي كان يهوى سبر أغوار علم الفلك في أوقات فراغه، فقد كانت تُرافقه في جلسات مراقبة السماء عبر المرصد الذي كان قد نصبه أعلى التلّة، حيث مكان عمله.

اكتشفت ميتشل سنة 1847 مذنّباً باستخدام تلسكوب صغير (قطرُ فتحته 5 سم)، وكان هذا أوّل مذنّب اكتُشف في الولايات المتّحدة، فأطلق عليه حينها “مذنب الآنسة ميتشل”، كما جلب لها هذا الاكتشاف اعترافاً واسعاً بين الفلكيين، ومنحها ملك الدنمارك ميدالية ذهبية مقابل هذا الانجاز، لتلتحق ميتشل بعدها بسنة بالأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم لتكون بذلك أول امرأة تحظى بشرف الانضمام إلى هذه الأكاديمية المرموقة.

كانت ميتشل سابقة لزمنها على أكثر من وجه، فإضافة إلى نشاطها العلمي، كانت من المناهضين للرق، حيث قاطعت الملابس المصنوعة من القطن المستخرج بأيدي العبيد في حقول ولايات الجنوب الأمريكي، وكانت أعظم فرصة منحتها إياها الحرب الأهلية الأمريكية حين فتحت بعض الجامعات أبوابها للنساء للدراسة، فانضمّت ميتشل إلى كليّة فاسار Vassar College بناءً على طلب صاحبها السيّد مايكل فاسار Michael Vassar والذي كان يبحث من وراء هذه الخطوة عن تحسين سمعة معهده.

استغلّت ميتشل فرصة تواجدها بكلّية فاسار لتستخدم أحدث تلسكوباته في دراسة كوكبي المشتري وزحل، كما تجاهلت قوانين الكلّية وأخذت طالباتها في طلعات ليلية لاكتشاف النجوم، حيث كانت تؤمن بضرورة إعطاء الطلبة خبرة ميدانية، وهي القناعة التي نادراً ما تجدها عند مدرّسي تلك الحقبة، حتى الرجال منهم.

كانت ميتشل من أشدّ الأصوات دفاعًا عن حقوق المرأة، فساهمت في تأسيس الجمعية الأمريكية لتقدّم المرأة، وتُوفيّت سنة 1889

5- ماري واتسون ويتني Mary Watson Whitney (عاشت 1847-1921)

وُلدت ماري واتسون في ولاية ماساشوستس سنة 1847 لوالدين ثريين، حَرِصا على تعليمها، خصوصاً وأنّها أظهرت قدرات عجيبة في الرياضيات، ولحُسن حظّها فإنّ كليّة فاسار افتتحت أبوابها للطالبات بعد سنة واحدة من إنهائها التعليم الثانوي، وإلاّ ما كانت لتحظى بفرصة متابعة دراستها في علم الفلك.

وبما أنّ السيّدة ماريا ميتشل كانت مدرّسة علم الفلك بالكليّة ومديرة مرصده، فإنّ علاقة ماري واتسون بها سرعان ما صارت قويّة، ولكن لسوء حظّها فإنّ دراستها الجامعية صاحبتها العديدُ من المآسي العائلية، منها وفاة والدها وفقدان أخيها في حادثة تحطّم سفينة، ما اضطرّها إلى تحمّل مسؤولية الاعتناء بوالدتها وأخواتها الصغار اللاتي كنّ يصغرنها سنّاً، ومع ذلك فقد حافظت على رباطة جأشها، فوصفتها إحدى زميلات الدراسة بقولها:” منذ أوّل يومٍ لها في الجامعة، سارت ماري واتسون في فلكها الذي رسمته وكلّها ثقة ورزانة، لا يضاهيها في هدوئها سوى تلك النجوم التي لطالما عشقت دراستها.”.

عادت ماري واتسون بعد تخرّجها من الجامعة إلى ولاية ماساشوستس للاعتناء بعائلتها ومزاولة مهنة التدريس، وكانت بين الفينة والأخرى تحظى بفرصة التدريس والعمل مع علماء فلك آخرين، ولكنّها لم تحظَ بفرصةِ الحصول على وظيفة دائمة في حقل الفلك بسبب كونها امرأة، علّقت ماري واتسون لاحقًا على الصعوبات التي واجهتها في حياتها العملية قائلةً:” أتمنّى أن تحظى النساء في الجنّة بفرصة لعب أدوار أكبر من الأدوار الثانوية”.

عادت ماري واتسون بعد فترة من الزمن إلى كلّية فاسار لمتابعة دراسات ما بعد التخرّج، ولعبت دورًا مهمًا في توجيه سياسات الكليّة وتوفير منح دراسية، مستغلّة دورها كرئيس جمعية قدماء كليّة فاسار ، وهذا ما جعل الكثيرين يتذكّرها على أنّها لطالما اهتمّت بغيرها وحرصت على تقديم يد العون لمن احتاجها.

ترأست ماري واتسون قسم علم الفلك في كليّة فاسار في سنة 1889، بناءً على توجيهات السيّدة ميتشل، التي كان قد فاتها نشر العديد من البحوث، فتكفّلت خلفُها السيّدة واتسون بإتمام العديد من المشاريع البحثية والدروس حول الكويكبات، المذنّبات، النجوم المزدوجة، النجوم المتغيّرة والقياسات الدقيقة للوحات الفوتوغرافية التي ظلّت تُستخدم في تصوير الأجرام السماوية حتّى التسعينات من القرن الماضي.

إضافةً إلى حرصها على تحويل برنامج كليّة فاسار إلى أحد أنجح البرامج التعليمية في الولايات المتّحدة، فقد بنت السيّدة واتسون علاقات ممتازة مع مدارس ومراصد أخرى، وهذا بحثاً عن توفير فرص عمل لطلاّبها، ما جعل أحدُهم يعلّق قائلاً: “إنّ اسهامات السيّدة واتسون في علم الفلك أعظم ممّا تصوّرته هي نفسُها، يكفيها أنّها اكتشفت العديدَ من المواهب الشابّة وحرصت على رعايتها وإنمائها بأن وفّرت لها التعليمَ الذي كانت تحتاجه.”.

6- ماريا فينكلمان كيرش Maria Winckelmann Kirch (عاشت 1670-1720)

حسن حظ ماريا كيرش أنّه على أيّامها لم تكن هناك حاجة إلى التعليم النظامي لدخول مجال الفلك.
ولدت كيرش في ألمانيا سنة 1670، وكان والدها قسّاً بروتستانتيا يؤمن بضرورة تعليم المرأة، فشجّعها على الدراسة وبعد وفاته تولّى عمّها مسؤولية رعايتها.

واصلت كيرش دراستها في علم الفلك برفقة كريستوفر أرنولد Christopher Arnoldd، وهو مزارع عِصاميٌ، علّم نفسه علوم الفضاء والفلك، ومن خلال أرنولد، تعرفت ماريا على غوتفريد كيرش Gottfried Kirch، والذي كان عالم فلك بارز في ذلك الوقت وكان يكبر ماريا بحوالي 30 سنة، إلا أنّ هذا لم يحل دون زواجهما سنة 1692.

انضمّت ماريا لزوجها في مهمّته لإنتاج الجداول الزمنية والتقاويم لأكاديمية برلين للعلوم، ومن خلال الملاحظة الدورية، تمكّن الزوجان من تأليف عدد من المنشورات التي تضمّنت معلومات عن الكسوف، مراحل القمر، مواقع الكواكب والشمس، والكثير من الظواهر الفلكية .

في عام 1702، أصبحت ماريا أول امرأة تكتشف مذنباً غير معروف، ولكن هذا الاكتشاف نُسب لزوجها، والذي يكون قد تعمّد عدم البوح بالحقيقة خوفاً من أن تكتشف الأكاديمية الدورَ الذي لعبته زوجته في أعماله، لكنّه عاد ليعترف بفضلها في هذا الإنجاز سنة 1710، ومع ذلك ظلّ المذنب يحمل اسمه، ما حرمها من شرف التكريم.

في هذه الأثناء، نشرت ماريا أوراقًا علمية عن الشفق القطبي واقتران الشمس والزهرة وزحل، وعلى الرغم من افتقارها للاعتراف الرسمي، فقد اعترف لها العديد ممّن عاصرها من علماء الفلك بمكانتها العلمية، فكتب غوتفريد لايبنتز Gottfried Leibniz، رئيس الأكاديمية، عن مهاراتها قائلاً : “ما يميّزها فعلاً هو أنّ إنجازاتها ليست في الحقل الأدبي أو في ساحات البلاغة كمعظم النساء، إنّها بلا شك امرأة غاصت في أعماق علم الفلك، ولا أعتقد أن ثمّة من بإمكانه مجاراتها في هذا العلم الذي أبدعت فيه”.

بعد وفاة زوجها سنة 1710، رفضت الأكاديمية السماح لها بمواصلة إنتاج التقويمات الخاصة بهم لكونها “امرأة”، وتم استبدالها بفلكي جديد قليل الخبرة، ولكنّها سرعان ما وجدت طريق العودة حين التحق ابنها الفلكي كريستفريد Christfried بالأكاديمية، فساعدته ماريا وابنتيها لفترة من الوقت، قبل أن تستغني الأكاديميةُ عن خدماتها نظراً للدور البارز الذي لعبته في هذه المهمّة، فما كان منها إلاّ أن ابتعدت عن علم الفلك في نهاية المطاف.
وبالرغم من أنها كانت عالمة فلك معروفة جيداً في وقتها، فإنّ ماريا لم تنل اعترافًا رسميًا بمساهماتها، لذا بقيت على هامش التاريخ.

7- مارجريت ليندساي هاغينز Margaret Lindsay Huggins (عاشت 1848-1915)

على مدار 30 سنة من العمل سويةً، قدمت لنا مارجريت ليندساي هاغينز وزوجها وليام هاغينز William Huggins، أسس الفيزياء الفلكية، وقاموا بدراسة الطبيعة الفيزيائية للأجرام السماوية.

كانت قناعةُ أنّ الأضواءَ البعيدة في السماء عبارة عن نجوم مثل شمسنا لا تزال غير راسخة لدى علماء الفلك في تلك الفترة، فكانت مارجريت وويليام من أوائل علماء الفلك الذين أثبتوا أن أضواء النجوم لها نفس لون ضوء الشمس، من خلال ما يُسمّى بالتحليل الطيفي الضوئي Optical Spectroscopy ويُقصد به تحليل الضوء المرئي للنجوم والأجرام السماوية الأخرى كوسيلة لتحديد مكونات النجم وكثافته، وحركته، ودرجة حرارته.

ومن خلال بحوثهم، أكّد الزوجان مارجريت وويليام أن العناصر ذاتها تدخل في تكوين كل شيء في هذا الكون المرئي.

ولدت مارجريت عام 1848 في إيرلندا، واستلهمت حبها لعلم الفلك من جدها، وعند اطّلاعها على أعمال ويليام هاغينز في التحليل الطيفي السماوي عام 1873، تحفّزت لتتعلّم المزيد، وكانت تلك الرغبةُ فاتحةً لالتقائهما ثم زواجهما.

كان الزوجان مارجريت وويليام رائدين في استخدام لوحات الصور الفوتوغرافية الجافة للتحليل الطيفي الفلكي، وقد ساعد جفاف تلك اللوحات على عرضها لفترة أطول من اللوحات الرطبة (التي قد تجف)، مما يتيح تراكم المزيد من الضوء في صور النجوم، لذلك استطاعا الحصول على معلومات أفضل ومعرفة المزيد عن طبيعة الكون.

كما قام الباحثان بتحليل أطياف الكواكب، النجوم، السدم، وحتى المواد المشعة، و مهّدت بحوثهم حول السدم الطريقَ أمامَ كتابة نظرية اتساع الكون التي توصّل لها العلم في القرن العشرين.

فاز الزوجان بجائزة أكتونيان Actonian Prize لكتابة العلوم من المعهد الملكيRoyal Institution وذلك بعد نشر بحثهما في كتاب أطلس الأطياف النجمية An Atlas of Representative Stellar Spectra

توفي ويليام في عام 1910، ولحقت به مارجريت في عام 1915.

8- آني جمب كانن Annie Jump Cannon (عاشت 1863- 1941)

لم تؤسس آني كانن لنظريات عظيمة في علم الفلك، ولم تقم بحساب المسارات لتساعد رجال الفضاء على بلوغ وجهتهم، كل ما قامت به هذه العالمة الفذّة هو أنّها أنجزت الكثير من العمل الروتيني الذي من دونه ما كان ليتسنّى لنا فهم النجوم.

وُلدت آني كانن في مدينة ديلاواير سنة 1863، وكانت الابنة البكر للسيناتور ويلسون كانن، ما منحها الكثير من الموارد والفرص التعليمية التي ما كانت متاحة لمعظم النساء في وقتها، كما شجّعتها والدتُها على دراسة الفلك والفيزياء في كلّية ويسلي، و ساعدتها على ارتياد كلّية رادكليف لدراسة علم الفلك.

انضمّت كانن سنة 1896 لفريق عمل مكوّن من مجموعة من النساء اللاتي كنّ يعملن لدى مدير مرصد جامعة هارفارد في وقته السيّد ادوارد بيكيرينغ، وكان الاعتقاد الشائع في تلك الفترة هو أنّ مجرّة درب التبّانة هي المجرّة الوحيدة في الكون، حيث كان علماء الفلك يكتشفون بتلسكوباتهم نقاطَ ضوءٍ جديدة في السماء، إلّا أنّهم عجزوا عن فهم ما كانوا يشاهدونه فمهمّة تحليل صور تلك النجوم وعلاقتها ببعضها البعض كانت في غاية التعقيد، وانتهى الأمر بالسيّد بيكيرينغ بأن أصابه الاحباط من النتائج الهزيلة التي توصّل إليها فريق العمل الرجالي بكلّية هارفارد، فما كان منه إلاّ أن قرّر تكليف فريق العمل النسائي بهذه المهمّة، ولم يخب ظنّه هذه المرّة.

تميّزت كانن بين زميلاتها في فريق العمل، حيث قامت باقتراح طريقة بسيطة لتصنيف النجوم حسب حرارتها، فاستخدمت أحرف الأبجدية الانكليزية O ، B ، A ، F ، G ، K و M لتصنيف النجوم من الأعلى إلى الأقل حرارة، وابتكرت صياغة بسيطة لتتذكّر هذا التصنيف، حيث اختصرته بعبارة (Oh, Be A Fine Girl – Kiss Me !)، حيث أنّ النجوم من الصنف OB هي الأكثر زرقة، أمّا النجوم من الصنف M فهي الأكثر حُمرة، والنجوم من الصنف G كشمسنا نحن فتميل إلى الصُفرة أو البياض.

قد يبدو هذا العمل بسيطًا ولكنّ نظام التصنيف هذا هو ما أتاح للعلماء تأسيس نظريات في علم الفلك كان يستحيل صياغتها من دون هذا المجهود التصنيفي، فقد كان لإنجازات كانن تأثير كبير على نظرية عالم الفلك ادوين هابل Edwin Hubble المتعلّقة بتوسّع الكون، وبينما نال مدير مرصد هارفارد السيد بيكيرينغ الكثير من الحُظوة، فأُطلق اسمه على حفر Craters في المريخ والقمر، تمّ تجاهل كانن بأن أُطلق على أعظم انجازاتها اسم “نظام هارفارد للتصنيف الطيفي”، ومع ذلك فقد حازت على عديد الجوائز وقام محرّك البحث جوجل بتخصيص يوم لها على صفحته الافتتاحية في الـ 11 من شهر ديسمبر سنة 2014.

اكتشفت آني كانن أكثر مِن 300 نجم، و خمس مستعرات عُظمَى، ونظامَيْ نجم ثنائي مُكوَن مِن نجمين يدوران حول بعضهما البعض، وصنفت ما يقرب مِن نصف مليون نجمة.

تُوفيت عام 1941 كامبريدج،ماساتشوستس.

9- مارغريت بوربيدج Margaret Burbidge (وُلدت 1919- )

إضافةً إلى إسهاماتها المتميّزة في علم الفلك، حاربت مارغريت بوربيدج من أجل تحقيق مساواة المرأة مع الرجل في هذا المجال، ولعلّ أحد أبرز إنجازاتها كان رفضَها جائزة «آني جمب كانن» من الجمعية الفلكية الأمريكية American Astronomical Society لأنها لا تمنح إلا للنساء، معربةً بذلك عن قناعتها بأنّ هذه الجائزة لا تقلّ في عنصريتها عن التمييز الذي لطالما مارسه الرجال ضدّ النساء في علم الفلك.

ولدت مارغريت في إنجلترا في عام 1919 لأسرةٍ حرصت على تشجيعها على طلب العلم منذ الصغر، فحصلت على درجة البكالوريوس في 1939 وعلى درجة الدكتوراه في علم الفلك من جامعة لندن University of London في عام 1943، وبعد سنوات قليلة، تزوجت زميلها الفلكي جيفري بوربيدج Geoffrey Burbidge، والذي عملت معه على نطاق واسع خلال حياتها المهنية، فاهتم زوجها بالتنظير (أي صياغة النظريات) فيما لعبت هي دورَ المراقب، وقد أمضوا معظم حياتهم المهنية في الولايات المتحدة، لتنال الجنسية الأمريكية في نهاية المطاف.

ولكونها امرأة، فكثيراً ما حُرمت بوربيدج من عديد الفرص في مجال الفلك، حيث اختارت في عام 1962 أن تصبح أستاذة في علم الفلك في جامعة كاليفورنيا وتمارس هذه المهنة طوال حياتها، لكنّها أخذت إجازة مقتضبة في عام 1972 لتصبح مديرة مرصد غرينتش الملكي Royal Greenwich Observatory، وهو المرصد الذي حظي بشرف تسميته «الفلكي الملكي» طوال 300 سنة، ومع ذلك، سرعان ما تعرّضت للتمييز بعد أن استُبدلت بفلكي رجل ليشغل ذات المنصب مكانها.

قدمت بوربيدج مساهمات هامة في معرفتنا للكويزارات (النجوم الزائفة)، و التركيبة الكيميائية للنجوم، وكتل ودوران المجرات، والكثير من المباحث الأخرى، وشكّلت مع زوجها أساس نظرية B2FH وهي النظرية التي توضح كيف يُنتج التفاعل النووي في النجوم كل عنصر من عناصر الجدول الدوري.

تلقت بوربيدج العديدَ من الجوائز على مرّ السنين، وأصبحت أول امرأة ترأس الجمعية الفلكية الأمريكية، كما سُمي باسمها جُرمٌ سماوي، وهو Minor Planet #5490 Burbidge

10- إيمي نويثر Emmy Noether

(1882 – 1935)

لابد أن تكون عالمة الرياضيات الألمانية إيمي نويثر استثنائية وغير عادية طالما أُعجب ألبرت آينشتاين بذكائها، في رسالةٍ أرسلها آيننشتاين الى صحيفة نيويورك تايمز New York Times بعد وفاتها، وصفها بأنّها “أعظم عبقرية ومبدعة رياضية مشت على الأرض منذ أن بدأت النساء بارتياد الجامعات.”،ومع ذلك، قلة من الناس سمعت عنها أو تملك فكرة عن إنجازاتها.

ولدت إيمي نويثر في ألمانيا سنة 1882 لعائلة من الرياضيين البارزين، ودرست في البداية مواداً مقبولةً لجنسها مثل اللغات والعزف على البيانو، لكنها سرعان ما حولت دراستها للرياضيات في جامعة إيرلنجنUniversity of Erlangen ولم يُسمح لها بالالتحاق رسمياً بالجامعة لأنها كانت امرأة، ما اضطرها لحضور عددٍ كافٍ من الدروس للحصول على شهادة تُعادل درجة البكالوريوس، ثم حصلت على شهادة دراسات عليا في جامعة جوتنجن University of Gottingen قبل أن تعود إلى إيرلنجن للحصول على شهادة الدكتوراه في الرياضيات.

لسنوات، عملت نويثر في جامعة إيرلنجن بدون أجر أو منصب رسمي، واستمرّت بالعمل على نفس النسق عندما دعاها بعض من زملائها الرجال للعودة إلى جوتنجن، رغم أنهم دخلوا في حرب مع إدارة الجامعة للمطالبة بمعاملتها بمساواة، فعلّق رائد الرياضيات ديفيد هيلبرت David Hilbert قائلاً:” أنا لا أرى أن جنس الموظّف من الحجج التي يُمكن استخدامها ضدّه”، وتابع “في نهاية المطاف، نحن في جامعة، ولسنا في حمام. “، ورغم طريقة معاملتها السيّئة، لم تفقد نويثر حسّ الفكاهة الذي عُرف عنها، كما لم تتخلّى عن شغفها بالرياضيات.

في عام 1915، أثبت مبرهنة نويثر، وهي واحدة من النظريات الرياضية الأكثر أهمية في الفيزياء الحديثة، لأنها تساعدنا على فهم نظرية النسبية العامة لآينشتاين، وبعبارات بسيطة، يخبرنا عملها بأنّ قانون الانحفاظ يمكن اشتقاقه من أي تناظر استمراري، حيث قال الفيزيائي الفلكي ديف غولدبرغ Dave Goldberg أنّ التناظر لا يفسّر فقط سبب عمل العجلات، ولكن أيضاً سبب المعادلة E = mc2، سبب وجود الذرات، وسبب قدرة تحمل الطوابق البنائية، وبعبارة أخرى، إنه عمل ذو أهمية كبيرة، ربما لا يقل أهمية عن عمل آينشتاين، ويجب ألا ننسى فضلها فقط لأنها امرأة .


ترجمة: رامي بديار
تدقيق: محمد القيرواني
المصدر

عابرٌ يسعى على كوكب الارض يبحث عن المساهمة في تخفيف وطأة العيش على جميع من طالهم هذا الابتلاء بشتى الطرق المفيدة، بدءًا بنفسي.