عشرة من أغرب أنظمة الحكم التي لم تبصر النور يوما

ملوك وملكات أباطرة وثيوقراطيين فاشيين ودكتاتوريين استبداديين وبيروقراطيين غير معروفين، غوغاء، ونخب أرستقراطية جميعهم قد حكمونا، ومع ذلك، لازال هناك بعضُ الأشكال لأنظمة حكم سياسية قد نوقِشَت، ولكن لم تنفَّذ فعلاً.

1- التكنوقراطية

أعقب الثورة الصناعية آلات وتقنيات رائعة من شأنها أن توفر في العمل ولكن معظم الناس ظلوا قابعين في العمل اليدوي الشاق للرأسمالية الصناعية.

عارض البعض هذا الوضع الاقتصادي الراهن، مثل الإقتصادي الألماني النرويجي ثورشتاين فيبلن الذي يؤمن بأن للإنسانية ثلاثة غرائز طبيعية: أولهم “الفضول الفارغ”، وهو الرغبة في تعلم أشياء جديدة بغض النظر عن تطبيقاتها العملية، وثانيهم”البراعة”، وهي رغبة في تأدية إنجازات مبتكرة ذات جودة عالية، وثالثهم “الرغبة الأبوية”، وهي الرغبة في استخدام معرفة المرء لتحسين المجتمع، ويعتقد فيبلن أن هذه الخصائص الطبيعية يمكن أن تشكل الأساس لنظام تكنوقراطي للتنظيم الاجتماعي والاقتصادي متفوقاً على النظام الرأسمالي القائم.

استوحى هوارد سكوت (صاحب الصورة في الأعلى) هذه الأفكار بعد حضور سلسلة من المحاضرات التي كتبها فيبلن في منتصف عام 1920، حيث يرى سكوت أنه كلما تجاوزت الإنتاجية العمالة والاستثمار، فإن تصاعد الديون والبطالة من شأنه أن يؤدي إلى انهيار الرأسمالية، ومع ذلك، فإن العمليات التي هددت التدمير النظامي يمكن أن تكون خلاص البشرية إذا وضعت في أيدي الفنيين ذوي العقول الرصينة، ولفعل ذلك يجب أن تُنحِّي النظام السياسي الديمقراطي ونظام الأسعار الرأسمالي.

وانضم سكوت إلى منظمة من العلماء والمهندسين الذين سعَوا إلى عمل دراسة بشأن استخدام الطاقة في أمريكا الشمالية وعلاقتها بالنمو الاقتصادي، الشيء الذي شكَّل نواة حركة التكنوقراطية الرسمية.

وَجدَ الكساد الكبير(أزمة اقتصادية في عام 1929م) ازدهاراً في الاهتمام بالتكنوقراطية التي تنافس الشيوعية الماركسية لتوفير رؤية بديلة للنظام القائم، حيث قدمت التكنوقراطية تفسيرا علميا مزعوما للأوقات الاقتصادية الصعبة والتي أُعلِن عنها في صحف نيويورك ومجلة تايم وغيرها من وسائل الإعلام.

وفي ذروة نفوذها، عقدت التكنوقراطية مسيرات كبيرة تحت الرمز التكنوقراطي لجوهر الفرد وهو رمز قديم يعبر عن التوازن.

كان الزي الرسمي للتكنوقراطيين عبارة عن بدلة ذات تصميم مزدوج وقميص رمادي وربطة عنق زرقاء وشعار أحادي على طيَّة صدر السترة، وكانوا أكثر عصرية من الفاشيين الذين يديرون أوروبا في ذلك الوقت، وشملت رؤية التكنوقراطية الخيالية أمريكا الشمالية كدولة عظمى موحدة مع الطاقة كعملة وطنية.

ويرجع فشل التكنوقراطية إلى حد كبير إلى النداء العاطفي والعملي للديمقراطية الليبرالية، فضلاً عن الجمعية الشعبية التكنوقراطية المرتبطة مع الشيوعية واللودية.

لا تزال التكنوقراطية اليوم على قيد الحياة كمنظمة غير ربحية تسمح لأي شخص ليس عضواً في حزب سياسي الانضمام لها.

2- الديمقراطية البروليتاريانية

يعتقد فلاديمير لينين أن تحقيق الشيوعية المثالية يتطلب تدمير الدولة البيروقراطية فضلا عن الديمقراطية البرجوازية، وفي رأيه أن “ديكتاتورية البروليتاريا” حيث تكون سيطرة السلطة السياسية على العمال الصناعيين، أفضل بكثير من الديمقراطية الليبرالية، حيث تكون سيطرة السلطة السياسية في نهاية المطاف من قبل أصحاب الممتلكات على حساب العمال، والديكتاتورية كانت شيء طبيعي فهو على حدِّ اعتقاده تاريخياً أنه لم يأتِ أيّ شعب مضطهد إلى السلطة دون رد فعل ساحق من الطبقة المهيمنة السابقة، وفي حين أنّ المستغلين الرأسماليين البرجوازيين ما زالوا يشكلون تهديداً إذ لم يكن هناك حرية حقيقية للتجمع أو الصحافة، ولكن لم يكن هناك مشكلة، لأن الحرية الحقيقية في نهاية المطاف سوف تأتي بشكل طبيعي من خلال الالتزام بالشيوعية.

وقد ناقشَتْ المفكرة الاشتراكية روزا لوكسمبورغ هذه الفكرة، معتبرةً أن الخلل الأساسي في النظام السوفييتي هو أنه إذا كان فقط مؤيدي الحزب يتمتعون بالحرية، فإن الحياة السياسية ستصبح واهنة وغير فعّالة، وفقط البيروقراطية ستحمل أي تأثير حقيقي، ورؤيتها البديلة هي التي يتمتع فيها العمال بالحرية السياسية والمشاركة في نظام ديمقراطي لأحزاب العمال المتنافسة.

في حين أنها كانت تؤمن بالانهيار الحتمي للرأسمالية، فإن انتقادها للبلاشفة كان حاداً : “إن العلاج الذي وجده لينين وتروتسكي وهوالقضاء على الديمقراطية في حد ذاته يعد أسوأ من المرض”، ورأت لوكسمبورج أنه في حين أن الثورة الاشتراكية ستؤدي إلى فترة تخريبية حيث تم القضاء تدريجياً على الامتيازات والعلاقات الاقتصادية للطبقة المستغِلّة، فإن الهدف هو خلق نظام ديمقراطي للطبقة العاملة ككل، وليس مجرد حزب أقلية يحكم باسم تلك الطبقة.

إن رؤية لوكسمبورغ لديمقراطية اشتراكية حقيقية لم تطالِب بالمساواة السياسية فحسب بل أيضا بالمساواة الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، وستُتَخَذ القرارات من خلال المشاركة الشعبية الواسعة، وأيضا لن يكون هناك قمع.

كانت لوكسمبورج شخصية مؤثرة في الحزب الشيوعي الألماني، ولكن بعد انقلاب فاشل عام 1919، ألقي القبض على لوكسمبورج وأطلقت النار عليها وألقيت في قناة لاندور في برلين وقد أُثبتت توقعاتها بشأن الاتحاد السوفييتي والدول الماركسية اللينينية الأخرى حقيقة.

3-الكومنولث الكاملة

يعتقد الفيلسوف ديفيد هيوم أن أصل الحكومة يكمن في الطبيعة البشرية، فالإنسان هو حيوان اجتماعي له وعي بالمصالح البعيدة والمهمة والتي يُلهى عنها بسهولة من خلال طرق إغراءات لحظية، وجميع أشكال الحكومة هي محاولات للبشر لمعالجة هذا الخلل الخطير من خلال إقامة العدل عن طريق السلطة.

إن توازن السلطة والطاعة يخلق مجتمعاً مستقراً، ولكن داخل الحكومات غير الكاملة، هناك دائماً توتر بين هذه السلطة والرغبة في الحرية، بالنسبة لهيوم، فإن الحكومة “الحرة” حقاً سترى السلطة شبه المطلقة مقسمة بين عدة أفراد أو هيئات، كل منها مقيد بالقوانين العامة والمتساوية المعروفة مسبقاً من قبل الناس داخل ذلك المجتمع.

توسّع هيوم في هذه الأفكار ليصل إلى فكرة الكومنولث الكاملة حيث أوجز فكرته لنظام حكومي مثالي، يعتمد بشكل كبير على قراءته للتاريخ الإنجليزي، كانت رؤية فيدرالية بقوة، وقسمت إنجلترا وأيرلندا إلى 100 مقاطعة وكل مقاطعة إلى 100 أبرشية، وينتخب كل من الأبرشيات البالغ عددها 10000أبرشية بالاقتراع ممثلاً للمقاطعة، يلتقي مع ممثلين آخرين لانتخاب عضو في مجلس الشيوخ و 10 من قُضاة المقاطعات، ومن ثم سيحصل 100 عضو من أعضاء مجلس الشيوخ على نفس المستوى من السلطة التنفيذية التي عقدتها الملكية البريطانية في يوم هيوم.

سعى نظام هيوم إلى دمج الحزبية والمصلحة الذاتية من أجل الحفاظ على التعددية الدستورية السليمة، التي عُقدَت معاً من خلال الضوابط والتوازنات لمنع ظهور أي شكل من أشكال السلطة التعسفية، ويعتقد أن المصلحة الذاتية هي سمة حتمية بل مرغوب فيها في نظامه المتوازن، كما هو الحال في الحزبية ما دامت هذه الاتجاهات مقيَّدة وتُستَخدم في خلق منافسة سياسية صحية، ويقام النظام بأكمله معاً باحترام القانون: القانون الأساسي للدستور، والقانون العام للعادة والعادات، والقانون المدني الذي أنشأته السلطة التشريعية.

كما رأى- في نهاية المطاف- أن السلطة نابعة من رأي المحكومين، ويعتقد أن الحكومة المتوازنة يجب أن تنظر في الرأي العام فضلاً عن القيود المفروضة على المؤسسات، و على الرغم من أن أي شيء كان متطرفا مثلما كان يحاوله الكومنولث المثالي، إلا أن أفكار ديفيد هيوم كان لها تأثيراً كبيراً على واضعي الدستور الأمريكي.

4-الديمقراطية الجيفرسونية

شهدت الجمهورية الأمريكية الأولى نزاعاً إيديولوجياً مريراً بعد فترةٍ وجيزة من تنحّي جورج واشنطن عن السلطة، من الجانب الأول كان الفيدراليون الذين يؤمنون بحكومة وطنية قوية يقودها رجال من ذوي الخبرة في العلاقات الدبلوماسية الوثيقة مع بريطانيا العظمى، و على الجانب الآخر كان الجمهوريون، الذين فضلوا سلطة الدول القوية لمقاومة الحكومة الفدرالية الطاغية، وعارضوا التداخُلَ في الشؤون الخارجية، على الرغم من أنهم كانوا أكثر تعاطفاً مع الثوار الفرنسيين من التجار البريطانيين، ويخشى الجمهوريون من أن يؤدي البرنامج الاتحادي إلى حكم نخبة مركزية مركزية من التجار والممولين، على حساب الديمقراطية الشعبية.

وكان جيمس ماديسون الزعيم الأوليّ لهذه الحركة، ولكن سرعان ما تولى توماس جيفرسون منصب المتحدث الرئيسي، كان لدى جيفرسون رؤية للديمقراطية استثمرت بشكل كبير في إرادة الأغلبية، التي كانت زراعية إلى حد كبير في ذلك الوقت.

كانت الديمقراطية الجيفرسونية تؤمن بجمهورية قائمة على الفلاح: اكتفاء ذاتي ومزارعين مستقلين يُنظَّمون من خلال هيكل الدولة اللامركزي والحكم الذاتي الذي يحميهم من فساد المدن.

وستكون الحكومة الاتحادية صغيرة وتركز على حماية حقوق الأفراد وممتلكاتهم، غير أنه في الوقت نفسه، كانت مصالح معظم الناس تُخدَّم على نحو أفضل من قبل حُكم مجموعة من نخبة من ملّاك الأراضي الزراعية الذين يمكن أن يمثِّلوا مصالحهم بشكل أفضل، بدلاً من النخبة التجارية للمدن.

وكان القصد من ذلك أن يكون حلاً مؤقتا، لأن الأرستقراطيين الزراعيين سيساعدون على تثقيف الجماهير على القيم الصحيحة للديمقراطية.

وقد عانت رؤية جيفرسون الديمقراطية من عيوب خطيرة، وطالبت بتوسيع كبير في الغرب للسماح بالسيطرة الديموغرافية المستمرة على الفلاح دون ترك أي مكان للسكان الأصليين، كما كان ذلك تلائماً إيديولوجياً محرجاً للرق الأفريقي، وعلى الرغم من أن الفيدراليين تم القضاء عليهم سياسياً، فإن قوى التجارة الدولية والتنمية التكنولوجية التي لا حصر لها أَضعَفت احتمالات الديمقراطية الزراعية، وأظهرت أزمة حرب 1812 الحاجة إلى مؤسسات اتحادية مثل بنك وطني وجيش مهني، فضلاً عن أهمية قاعدة صناعية صناعية، انضمّ المعتدلون داخل الحزب الجمهوري مع المعتدلين من الفدراليين المنحدرين لتهميش الجذور الجيفرسونية، ووضع الأساس لنظام سياسي أكثر توازنًا.

5-عبقراطية

لم يكن سائق سيارة السباق السابق والصحفي رائيل راضياً مع خلقه للديانة الرائلية فقط بل أنه خلق فلسفته السياسية الخاصة، على الرغم من أنه ادّعى أنه قام بدراستها خلال عام 1975 أثناء سفره إلى كوكب ايلوهيم.
وتستند العبقراطية على فكرة أن الحكومات، على مر التاريخ، كانت تقوم دائمًا على أساس القوة الغاشمة، والثروة، أو اكتناز المعرفة.

واعتبر رائيل أن الديمقراطية الحديثة كانت “مديوقراطية”، حيث أن متوسط الناخبين ليس لديهم سوى المتوسط من معدل الذكاء.

واقترح بدلاً من ذلك شكلاً من أشكال الديمقراطية الانتقائية التي تكون فقط لمن لديهم معدل ذكاء أكثر من 110 والذين سيتمتعون بحق التصويت، وفقط أولئك الذين لديهم الذكاء أكثر من 150 يمكن أن يديروا المنصب، ومع ذلك، لم تكن هناك قيود على فئة أو خلفية أولئك الذين تم اختبارهم، مما يضمن نظام عباقرة يمثلون جميع الأجناس والجنس والطبقات الاجتماعية.

وهذا ما يوصف بأنه “حكومة الشعب، من أجل الشعب، يُديرها العباقرة”.

ويتضمن تأسيس العبقراطية أولاً تحديد العدل وتحديد اختبار عادل ومنصف لقياس القدرات الفكرية، دون تحيّز من الخلفية التعليمية أو الثقافية.

والهدف النهائي هو النظام العالمي العبقراطي، من أجل إنقاذ البشرية من تدمير نفسها، وإزالة أسباب العنف، واستبدال العمل مع تحقيق الذات العالمية.

وكان المال من كل هذا يأتي من العباقرة أنفسهم، الذين صدرت تعليمات لهم بإعطاء عشرة في المئة(10%) من دخلهم إلى الحكومة العبقراطية العالمية.

وفي مقارنة للحركة العبقراطية مع الحركة اليمينية الفرنسية في القرن التاسع عشر التي سعت إلى إنشاء حكومة سرية، في عام 1978، أسس رائيل حزباً سياسياً يُدعى الحركة من أجل العبقراطية العالمية وحصل على انتخاب جينيوكرات مارسيل تيروس في قرية سارلات، ومع ذلك، أدى ضغط الحكومة الفرنسية على استخدام رمز الصليب المعقوف، فضلا عن رد الفعل العنيف لمفهوم تحسين النسل الزاحف للعبقراطية، أدى ذلك كله إلى تخلي رائيل عن الحركة السياسية لصالح دينه، قائلاً: “لا يمكننا القتال على جبهتين في وقت واحد، وإلى جانب ذلك، فإننا نفتقر إلى الأدوات اللازمة لقياس الذكاء “.

6- الفوتاركي

إن فكرة الاقتصادي روبين هانسون الفكرة الأساسية للفوتارشية وهي “التصويت على القيم، ولكن الرهان على المعتقدات”.

يصوت الناخبون الأفراد ليس على السياسات الفردية، بل على التصويت على مقياس يُستخدم لتحديد الصحة الاقتصادية لبلدهم.

عندما يتم تحديد المقياس، سيتم استخدام أسواق التنبؤ لاختيار السياسات المناسبة.

تتيح أسواق التنبؤ للناس الرهان على احتمال وقوع أحداث مختلفة، مثل الانتخابات والانتصارات الرياضية.

السياسات التي يتم تحديدها تكون على الأرجح لزيادة الرفاهية الوطنية (وفقاً للمقياس الذي تم التصويت عليه) سيصبح قانوناً بموجب هذا النظام، وبالتالي، يصوّت المشاركون في النظام على ما يريدون تحقيقه (القيم) ثم يراهنون على ما يعتقدون أنه أفضل وسيلة لتحقيق ما يريدون (المعتقدات).

يعتقد هانسون أن الديمقراطيات تفشل لأنه في حين أن هناك معلومات موجودة يمكن أن تساعد في التوضيح وهي السياسات التي يرجح أن تنجح أو تفشل، فإن الجمهور العام يجهل إلى حد كبير المعلومات، وهو غير راغب عموماً في التعلم، وهذا يعني أن السياسيين يضطرون إلى تبني سياساتٍ فظيعة لاسترضاء جمهور لا يخلو من المعرفة، واقترح هانسون بدلاً من ذلك أن يراهن المشاركون المستنيرون على سوق المضاربين، الذين لديهم مصلحة خاصة بهم للنظر فيها، فضلاً عن تعليمٍ أفضل عموماً، على ما إذا كان ينبغي تنفيذ سياسة مقترحة أم لا، بعد عشر سنوات، يتم تحليل نتائج السياسة وأولئك الذين يراهنون على سياسة الفوز الحصول على تعويضات نسبة إلى مدى فعل ذلك، مثل هذه العملية يعني أن قرارات السياسة المستنيرة سوف يتم من قبل المتعلمين في حالة من المنافسة، مما يؤدي إلى أفضل نتيجة ممكنة بفضل سحر السوق، هذا هو كل شيء ليكون محايد إيديولوجياً، حيث يختار الناخبون ما يريدون تحقيقه، في حين أن سوق التنبؤ يحدد فقط أفضل وسيلة للذهاب إليه، وتتمثل ميزة النظام في إنشاء نظام حكومي لا مركزي وغير مستعار بدرجة أعلى من التعقيد مما هو موجود حالياً، ومع ذلك، فإن مخاطر الإساءة، بما في ذلك الألعاب القسرية للنظام وحتى القرصنة، تجعلها رهان محفوف بالمخاطر إلى حد ما.

7- المجتمع اللاسلطوي

غالباً ما يساء فهم الفوضوية، مع افتراض الكثيرين أن “الفوضوية” تعني الجنون غير القانوني.

هذا ليس صحيحاً، لا تعزز الفلسفة الفوضوية الفوضى، بل بالأحرى هي حلم مجتمع مع التخلص من الإكراه حيث لا أحد يحتاج من أي وقت مضى إلى أن يُجبر على فعل أي شيء لا يريد القيام به، كان الفيلسوف الروسي ميخائيل باكونين مساهما في تطوير الفلسفة الفوضوية وهي أخلاقيات ثورية معارضة لشيوعية ماركس وإنجلز.

كان باكونين مذهبياً، و رفض معظم المُثل المجردة، لكنه يؤمن بقوة بالحرية الفردية على نطاق عالمي، وقال: “لا يمكن لأحد أن يحقق تحرره دون العمل في الوقت نفسه على تحرير جميع الرجال من حوله، حريتي هي حرية الجميع لأنني لست حقاً حراً في الفكر وفي الحقيقة إلا عندما يتم تأكيد حريتي وحقوقي والموافقة عليها في حرية وحقوق جميع الرجال الذين على قدر مساواتي “.

تعارِض الفوضوية جميع أشكال السلطة القسرية التي تعرف بأنها “اللاهوتية والميتافيزيقية والسياسية الفكرة البارزة التي يجب على الجماهير، التي لا تستطيع دائما أن تحكم نفسها، أن تقدم في جميع الأوقات إلى نير الخير من الحكمة والعدالة، والتي بطريقة أو بأخرى، هي فُرضت من فوق “.

القيم الأساسية للأناركية هي الحرية والإدارة الذاتية، دون تقديمها للسلطة من فوق بأي شكل من الأشكال.

كان لدى المفكرين الفوضويين المختلفين أفكار مختلفة حول كيفية عمل المجتمع الأناركي، ولكنهم متحدون في فكرة أن جميع البشر يجب أن يكونوا متساوين وأحرار.

وبعيدا عن حدود جسم الفرد وقوانين الطبيعة، يعتقد الفوضويون أن الشيء الوحيد الذي يمنع الناس من تحقيق ما يريدون هي عقولهم. إن الإمكانات الإبداعية التي لا حدود لها للإنسانية تقيدها المجتمعات القائمة على القوة، ولا سيما الدولة القومية، ويجب تفكيك هذه القوى الاجتماعية والسياسية للجنس البشري لتحقيق الحرية والازدهار الحقيقيين، وسوف يتكون المجتمع الأناركي من التجمعات الطوعية للمجموعات اللامركزية والديمقراطية المباشرة.

ويستبدل نقل الملكية في الحياة في المدن الهرمية بمجتمع متعمد(كميونة) ذا حكم ذاتي، والتي ترتبط بعضها ببعض بالاتحادات.

المشاركة أو عدم المشاركة في المجتمع المتعمد(كميونة) وحياتها السياسية هو تطوعي تمامًا.

وقد لعبت الأفكار الفوضوية دوراً هاما خلال الحرب الأهلية الإسبانية، ولكن تم القضاء على الحركة من قبل الهجمات الفاشية والخيانة من قبل الاشتراكيين والليبراليين، ومع ذلك، فإن سلالات الفوضى الأناركية لا تزال موجودة في العديد من الحركات الثورية اليوم.

8-الحكومة الموزَّعَة

ويعتقد البعض أن عدم كفاءة الحكومة الحديثة وعدم اهتمام قطاعات كبيرة من السكان بالشؤون السياسية هو نتيجة لحقيقة أن الحكومة البيروقراطية المركزية قد عفا عليها الزمن وهي فكرة قديمة منذ وقت كان فيه الاتصال والنقل صعباً.

ومن شأن فصل المؤسسات المركزية والتوزيع المادي للمسؤولين الحكوميين والمنظمات في جميع أنحاء البلاد أن يجعلها أكثر كفاءة وخفض التكاليف، وأن يقلل من نخبوية الطبقة الحاكمة المستقرة، ويمكن أن يقوم القطاع الخاص بمهام عديدة في البيروقراطية الحكومية، في حين سيبقى المسؤولون الحكوميون في مناطقهم المحلية ويضعون السياسات والتشريعات مع الزملاء عن بعد، وسيضطرون إلى قضاء المزيد من الوقت مع ناخبيهم بدلاً من عقد اجتماعات مغلقة في قاعات الاجتماعات، وسن تشريعات مفهومة للناخبين العاديين، بدلاً من الزملاء الأرستقراطيين المنتخبين فقط الذين يحملون درجات في القانون.

ومن شأن هذا النموذج أن يكون له آثاراً خطيرة على الضرائب، وبموجب النظام الحالي، يتم تجميع الضرائب في محور مركزي ثم يتم تصفية الفوائض إلى الإنفاق الوطني، وفي نموذج الحكومة الموزَّعَة، سيتم تحديد تخصيص التمويل من قبل دافعي الضرائب الفرديين أنفسهم، مما يعني أنك يمكن أن تختار بحرية تخصيص المزيد من الدولارات الضريبية للتعليم وأقل للدفاع أو العكس.

وبما أن خدمات المعلومات تقوم بتقسيم الحدود بين المواطنين وقطاع الأعمال والحكومة، فإن بعض الخدمات الحكومية يمكن أن تستولي عليها كيانات القطاع الخاص ذات الصلة، مما يتيح لك تجديد جواز سفرك من خلال شركة سفر بنفس الطريقة التي يقوم فيها تاجر السيارات بتسجيل سيارتك عند الشراء وهذه رؤية معززة تقنياً للحكومات، ومن شأن شبكات التواصل الاجتماعي والحوسبة السحابية أن تساعد المواطنين على إيجاد حلول جماعية للمشاكل الاجتماعية، في حين أن تكنولوجيات الاتصال ستسمح للمواطنين والقطاع الخاص والحكومة بالتفاعل على المستوى الشخصي، ومن شأن زيادة أعداد أجهزة الاستشعار أن توفر بيانات متباينة عن كل شيء بدءاً من التأثيرات البيولوجية على تلوث البيئة وكذلك التكنولوجيا الجغرافية المكانية لأنماط الحركة والطقس، ومن شأن ذلك أن يسمح بتخصيص موارد أكثر فعالية واستجابات جماعية أسرع للأزمات، وعلى الرغم من أن العديد من التطورات التكنولوجية تسبب الخوف من ظهور الأخ الأكبر، إلا أن هذه التقنيات نفسها يمكن إضفاء الطابع الديمقراطي عليها واستخدامها لتحفيز المشاركة السياسية ومساءلة الحكومة بشكل أكبر.

9-الديماركية

يعتقد البعض أن العديد من المشاكل السياسية اليوم ترجع ذلك إلى حقيقة أن الديمقراطية التمثيلية الحديثة ليست أكثر من قشرة رقيقة تحجب القلة من السياسيين المحترفين.

وتمت السيطرة على الهياكل التمثيلية الانتخابية من قبل النخبة الغنية، الذين يسيطرون على توجيه السياسة لتحسين استخراج الثروة على حساب بقية السكان، لكن الفيلسوف الاسترالي جون برنهيم له بديل، فيقترح إصلاح مشكلة الفساد الانتخابي عن طريق التخلي عن النظام البيروقراطي للدولة والاستعاضة عنه بنظام يقوم على اختيار عشوائي من السكان.

في الديمقراطية التمثيلية، يصوت السكان على من يتخذ القرارات، بينما في الديمقراطية المباشرة تُتخذ القرارات من قبل السكان ككل، وبموجب الديماركية سيتم اختيار الأفراد العشوائيين من السكان بالقرعة للعمل كمواطنين محلفين لفترة قصيرة من الزمن ثم العودة إلى حياتهم الطبيعية.

وفي الوقت نفسه، سيتم استبدال جهاز الدولة الضخم بمجموعات صغيرة لصنع القرار من أجل السيطرة على حقل معين، مثل الصحة المحلية والنقل أو استخدام الأراضي، ويتم تشكيل هذه المجموعات من خلال اختيار عشوائي من الأفراد المتطوعين للعمل في مجموعة معينة.

للديماركية عدد من المزايا عن الديمقراطية التمثيلية إذ يكفل وجود هيئة تشريعية أكثر تمثيلاً بكثير من النظام الانتخابي الذي ينتمي فيه معظم السياسيين إلى النخبة الغنية، فالسياسيون المختارون بالقرعة لخدمة شروط محدودة سيكونون أقل عرضة للفساد والضغط السياسي من جماعات الضغط أكثر من السياسيين المحترفين.

وبدون معرفة من سيتم اختيارهم، فإن آلات الأحزاب السياسية لا يمكن أن تستعد للأفراد من أجل السلطة، وسيكون المواطنون المحلَّفون أكثر ملاءمة لمجتمعاتهم، لأنهم سيحصلون على السلطة طول مدة ولايتهم ثم يعودون إلى حياتهم.

سوف تشهد الديماركية سلطة سياسية موزعة بشكل عادل عبر خطوط الطبقة والجنس والعرق والشخصية والتوجه بدلاً من الاندماج في مجموعات من المصالح المكتسبة.

من عيوب الديماركية هي العشوائية أثناء الفرز، بحيث يتم اختيار المناصب السياسية عشوائيًّا من بين عينة من المرشّحين، قد لا يصل الشخص الأكثر كفاءةً إلى المنصب، بينما يحصل عليه هاوٍ لا يستحقه، كما أن النظام سيكون عرضة لتأثير الديماغوجيين الشعبويين ويدعو إلى اختلال مفرط في السلطة تجاه أقلية إذا كانت بعض المجموعات من الناس تعبر عن اهتمام سياسي أكبر في حقل معين وتتطوع بأعداد أكبر.

كثيرون غير مرتاحين لفكرة وجود نظام سياسي يعتمد على العشوائية المحضة، ومع ذلك، هناك بعض الدراسات العلمية الجيدة التي تشير إلى أن القرارات العشوائية هي في كثير من الأحيان أفضل منها.

10 _الديمقراطية السائلة

في الديمقراطية التمثيلية، يختار الناخبون الممثلون لخدمة مصالحهم لفترة في المنصب، وفي ديمقراطية المباشرة، يشارك الناخبون في صنع القرار بشكل مباشر، الأول عرضة للفساد والنخب السياسية، وهذا الأخير عرضة لحكم الغوغاء، و طغيان الأغلبية، والكوابيس اللوجستية.

وتقترح الديمقراطية السائلة نظاماً جديداً، يعرف أيضا باسم الديمقراطية التفويضية أو نظام الوكيل القابل للتحويل.

وعلى غرار الديمقراطية المباشرة، يكون لكل مواطن صوت واحد على كل قضية، ولكن يمكنهم اختيار تسمية ناخب آخر وفقاً للوكيل والمندوب الشخصي ناقلين أصواتهم إليهم.

وقد يفعلون ذلك لأنهم يفتقرون إلى المعرفة اللازمة لاتخاذ قرار بشأن قضية ما ولكنهم يعرفون شخصاً مطَّلعاً على نحوٍ أفضل يتقاسم قيمهم ويثقون برأيه.

وقد يختار الأفراد تمرير جميع الأصوات إلى وكيل معين، أو التصويت فقط في مجال سياسة معين، أو حتى مجرد التصويت على قضية معينة، ويمكن لهؤلاء الوكلاء بعد ذلك أن يمروا بأصواتهم إلى وكلاء آخرين إذا اختاروا ذلك.

وهذا يخلق سلسلة من التأثيرات- على سبيل المثال-فإن الناخب الذي لا يهتم بالإصلاح الزراعي يمر بصوته إلى رفيق ميَّال للزراعة والذي يمر بعد ذلك بأصواته إلى خبير موثوق به أو هيئة لصنع القرار.

وعادةً ما يكون التصويت والوكالة أمراً سرياً، ولكن يمكن أن يكون إما خاصاً أو عاماً وذلك يعتمد على اختيار الفرد مما يسمح لكل شخص أن يختار مقدار الشفافية التي يرغبون في إظهارها في خياراتهم السياسية.

وأكبر هيئة تدفع لاعتماد الديمقراطية السائلة هي حزب القراصنة الألماني، وقد تم ربطها مع برنامج صنع القرار المفتوح المصدر Liquid Feedback الذي يجمع بين الديمقراطية السائلة مع الاعتدال الجماعي والتصويت التفضيلي.

ومزايا التصويت السائل هي إضعاف سياسة الأحزاب الجامدة، مما يسمح بالتعبير عن معتقدات سياسية معقدة لا تتناسب مع الخطوط الأيديولوجية المعيارية، وتقلل من عبء المعرفة وتسمح للمواطنين بالمشاركة في العملية السياسية بطريقة أكثر تحرراً .

و يرى المتشككون في الديمقراطية السائلة الجمود السياسي الذي يمكن أن يحدث عندما يصوت الجمهور على كل قضية، وهناك مخاوف من أن تكون القوة والنفوذ في هذا النظام أكثر سيولة مما قد يكون مرغوباً فيه، فضلاً عن مشاكل الاستقرار والاستمرارية.


الاسم: عبد الرحمن بلال
التدقيق: محمد القيرواني
المصدر

عبد الرحمن، مترجم واعشق الترجمة، أحب القراءة عامة والقراءة في التاريخ خاصة