عشرة امور قد لا تعرفها عن الرومي

عشرة أمورٍ قد لا تعرفُها عن الرومي


 

منذ أكثر من سبعةِ قرونٍ مضت لم تزلِ أشعارُ جلالِ الدين الرومي تمتلك المقدرةَ على بَثِّ السحر في نفوس قارئيها. وفي كتابِ (سرّ الرومي: حياة الصوفي شاعر الحب) يسعى المؤلفُ براد غوش إلى إعطاءِ القراءَ لمحةً عن حياةِ جلال الدين الرومي من خلال دراسةِ حياة الشاعرِ وتَنشئتِهِ الروحية.
إليكَ هنا عشرة أمورٍ ربّما لا تعرفُها عن عالِمِ اللاهوت والشاعر الشهير:

1- وُلِدَ جلالُ الدين الرومي في آسيا الوسطى أو ما تسمى في الوقت الحاضر بِطاجيكستان، بالقرب من الحدود مع أفغانستان.

588aa93017000030001d0ae5

لقد كانت هذهِ المنطقةُ ذاتَ يومٍ جزءاً من الامبراطورية الفارسية الضخمة، اذ تأثّرت بالديانة الزرادشتية. وفي منتصفِ القرنِ السابع، شرعتِ القبائلُ العربيةِ في احتلالِ هذه الأرض فأصبح الإسلامُ جزءاً من الأديانِ المُعتَنَقةِ فيها. كما كان للديانةِ البوذيةِ حضورٌ في الوقت الذي ولد فيه الرومي في قرية Vaksh في عام 1270 من شهر ديسمبر وفقاً لما ذكره المؤلف براد غوش.

 

2- كان والدُ الرومي وجدُه دعاةً وفقهاءً مُسلِمين معروفين، وكان من المتوقع له أن يتبع هذا الطريق التقليدي.

Turkish soldiers, members of the historical Ottoman military band of Mehter, perform outside the Mevlana museum during a ceremony, one of many marking the 743rd anniversary of the death of Mevlana Jalaluddin Rumi, in Konya

انحدرَ الروميُّ من عائلةٍ واعظة، فَوالدُه -بهاء فلاد- كان واعظاً في المسجدِ المحلي وفقيه سُنيّ. وكان بهاء فلاد صارماً بشأن الحفاظ على القواعدِ والمهامِ الدينيةِ، ولكنّهُ تأثّرَ بالصوفيّةِ، الفرع الباطني للإسلام الذي سَيتصلُ اسمُ جلال الدين الرومي به في وقت لاحق. “لقد كانوا اُناساً مبجلين” بحسبِ ما قال غوش.

 

3- قيل أن الرومي رأى الملائكة عندما كان طفلاً.

هنالك أخبارٌ عن طفولة الرومي المبكرة، فقد قيلَ أنّهُ رأى الملائكةَ عندما بلغَ من العمرِ خمسة أعوامٍ. وقد أقلقَت هذهِ الأحداثُ الولدَ الصغير غير أن والدَه طمأنَهُ مُخبراً إياه أن الملائكة تُظهر نفسَها لِتقديمِ الخدَماتِ.

4- قضى جلال الدين الرومي جزءا من حياته كلاجئ ومهاجر.

SYRIA-CONFLICT-RELIGION-CULTURE-DERVISH

عزم بهاء فلاد على نقلِ عائلته من فخش Vaksh– بين 1210 و 1212. في ذلك الوقت، وَوِفقاً لما قالَه غوش: “أن جنكيز خان كان يعد جيوشه لغزو طاجيكستان”. وقد تكون المشاكل السياسية المحلية هي التي دفعتهُ على المغادرةِ، أو ربما لِرغبَتِه في رؤيةِ مكة المكرمة. مهما كان السبب، فقد جاء المغول إلى تلك المنطقة ودُمرتِ المدنُ الكبيرة أثناء انتقالِ الأسرة بعيداً عن وطنهم. وأضاف غوش: “أنّ جلال الدين الرومي لم يرَ وطنَه مرةً أُخرى، ولم يعُد إليه أبداً، وقد أصبح وأسرتُه لاجئينَ ومهاجرين”.

 

5- خارطة حياة الرومي امتدت لِأكثرِ من 2500 ميل كما واستمرت هجرةُ عائلتِه لما يُقاربُ العقدينِ من الزمن.

سافرَت عائلةُ الرومي من فاخش إلى سمرقند في أوزبكستان ثم الى إيران، فَسوريا، فالمملكة العربية السعودية، وأخيراً إلى تركيّا، حيثُ قضى جلالُ الدين الرومي هنالك خمسينَ عاما من أعوامِه الأخيرة. وقد مَكنَته تجربةُ التنقلِ لأن يَطّلِعَ الى العديد من اللغات والممارسات الدينية المختلفة.
وقال غوش: “أنه كان مهاجراً حقاً لِمرورِه بِكلِّ تلك الأماكن، ويمكنك أن تلمسَ ذلك من خلال احساسِ عدمِ دوامِ الأشياءِ الذي احتضَنَه شعرُ الرومي”.

6- دَرَسَ الروميّ الدينَ في المدرسة في حلب، التي تُعَدُ اليومَ مسرحاً للتدمير المأساوي.

بعد وفاةِ والدِه، كان مُعلِّمُ الصِبا هو المسؤول عن تعليمِه الروحي، وهو من شجع الرومي للدراسة في دمشق وحلب مما عزز وجوده كمعلم ديني. كان التعليمُ الذي تلقّاه في حلب دينياً أساسُهُ القرآن، وكان يتعرض أيضاً إلى الشعر العربي. جزءٌ مهمٌ من التعليم في ذلك الوقت تضمّنَ تَعلُّمَ محاكاةِ المعلمِ والحصولَ على بعض الأفكار منه. ويضيفُ غوش: “لقد كانت هناك ثقافةً علمية وأكاديمية متقدمة وخصوصاً في بغداد وحلب ودمشق”.

 

7- لم يُطلَق عليهِ لقب الروميّ أثناءَ حياتِه مُطلَقاً

تعني كلمةُ الرومي النسب إلى روما، وكَإشارةٍ إلى الإمبراطورية الرومانية البيزنطيّة. والتي تشملُ في وقتِنا الحاضر تُركيا، حيث عاش جلال الدين الرومي معظمَ حياتِه. كان اسمُه محمد، ولأنّه اسمٌ شائع جداً فقد كانتِ الناسُ تُضيفُ إليه ألقاباً. وعندما بدأ الروميّ في رؤية الملائكة، أعطاه والدُه اسم Khodavandgar والذي يعني بالفارسية “السيِّد”، كما أطلقَ عليه والدُه جلالَ الدين. وفي وقت لاحق، سُمِيَّ أيضاً “مولانا”، ومن المحتمل أنه لم يطلَقَ عليه لقبَ “الروميّ” أبداً ذلك الاسمُ اشتُهِرَ به في أنحاء العالم اليوم.

8- عندما التقى جلالُ الدين الرومي أستاذَه العظيم، الرفيق، والحبيب شمس التبريزي، كان في أواخرِ الثلاثينات بينما كان شَمس في الستينِ من عمره.

rumi-and-shams1

في ذلك الوقت كان جلال الدين الرومي معروفاً في قونية التي تقع في تركيا، لكونِه رجلاً فقيهاً، مبجلاً، وعالماً وداعية. لكنه لم يكن راضياً، وشعرَ قليلاً بعدمِ الارتياحِ. وأطلقَ غوش على ذلك بِ “أزمة منتصف العمر”.
كان شمس التبريزي رجلاً دينياً وصوفي. وحسب ما يقول غوش كانَ شمس سريعَ الغضب، بغيض، مُمتع، يصعب إرضاؤه ولم يكن قنوعاً أبداً، وفي الوقت نفسه كان غارقاً في التعلم والصلاة والتأمل. التقى الاثنانِ في شارع في قونية وانغمسا على الفور في نقاشٍ فلسفي. وعرف بعضهما كما تعرف الأرواح المتشابهة بعضها. قضى جلال الدين الرومي الأشهرَ الثلاثَ المقبلة في عزلةٍ مع شمس، الذي بدورِهِ أسهمَ في إطلاعِ الروميّ على الموسيقى والشعر كَمُمارسةٍ روحية. وفي نهاية المطاف، غادر شمس إما عن قصدٍ أو أنه قُتِلَ، “لا أحد يعرفُ السببَ الحقيقي، ولكن ذلك أدى الى مرورِ الرومي بفترةٍ من الجنون” كما يخبرنا غوش.

 

9- لم يبدأ الروميّ كتابةَ الشعرِ بِرصانةٍ الى أن صُدِمَ بِاختفاءِ شمس التبريزي من حياتِه.

كان لاختفاءِ شمس الأثرُ المزعجُ في حياةِ الروميّ، غيرَ أن ذلك ساهمَ في تطوّرِ الجانب الروحي من حياتِه. يقولُ غوش: “أن جلال الدين الرومي حاولَ التعاملَ مع المعاناةِ التي تسببَها رحيلُ شمس، وكأنّما شمس كان يعيشُ بداخلِه”.
كتب الرومي أكثر من 3000 بيتٍ في الغزل وأبياتٍ أخرى غنائية وقصائداً منظومة كان موضوعُها الحُبّ في أغلب الأحيان، وأكثر من ألفي رُباعيةٍ -القصائد المنظمة ذات الأربع أسطر- كما كتب أيضاً الملحمةَ الروحية في ستةِ مجلداتٍ بصيغةِ مقاطعٍ والمعروفة باسم المثنوي.

10- كان موكب الجنازة الرومي في قونية غير عادي.

8e4c3597e3e47aa47ec50db872fb2dce

توفي جلال الدين الرومي في 17 ديسمبر 1273. كان مُسلماً متديناً طيلةَ حياتِه، يؤدي الصلواتِ الخمس يومياً ويصوم جميعَ الأيامِ المفروضة. وحينما قاربت نهايتُه كتب عن الاعتقاد في “دين المحبة” الذي تجاوزَ الحدود المذهبية التقليدية، فَكتب في المثنوي: “دينُ الحُبّ وراءَ كلّ الأديانِ، والدين الوحيد للمحبين هو الله”.
أعطى الرومي أتباعَهُ تعليماتٍ خاصة للتعامل مع ليلةِ وفاته، كما لو كانت ليلةُ زفافٍ سعيدة. وقد خطط لأقامةِ جنازةٍ خاصة بحضورِ المُطربين والموسيقيينَ والراقصينَ وقراءِ القرآن والأئمةِ. يشيرُ وجودُ المطربين والراقصين بالنسبة الى الرومي الى أنّ المتوفى مسلمٌ ومُحِبٌ بنفس الوقت. ولكن كان يَحضُرُ أيضاً حاخاماتُ اليهود يَتلونَ المزامير ورجالُ دينٍ مسيحيون يقرأون الأنجيل في جنازتِه، والذي تركَ بعضاً من أتباعِه المسلمين حائرينَ، ولم يدركوا تماماً كم أصبح الرومي شخصيةً تحظى بِاحترامٍ كبير لدى المجتمعات الدينيةِ الأخرى. ويقولُ غوتش بأن الرومي كان يفكر نوعاً ما لإيجادِ أصول جميع الأديان بالطريقةِ الصوفية.
لا يزال الاحتفاء بِذكرى وفاةِ جلال الدين الرومي يُقامُ كَليلَةِ زفافٍ في قونية كلَّ عام. و تشمل الاحتفالاتُ حفلَ الدراويش المولوية التي تعني دوران الدرويش بشكل دوامة حول نفسه بشكلٍ تأمليّ، والتي يُعتَقَدُ أنّها تُساعد الممارسين في اتصالهم الروحي مع الله.


ترجمة: عبدالرحمن بلال
تدقيق: نورا برهان الدين

المصدر

عبد الرحمن، مترجم واعشق الترجمة، أحب القراءة عامة والقراءة في التاريخ خاصة