اكبر عشر معارك فكرية في كل العصور

من السهل أن ننسى في عالمنا العلمي الحديث أن تقدُّم الإنسان يكون مرتبطًا عادةً ببعض الصراعات الفكرية المذهلة بين وجهات النظر المختلفة للأشياء والطرق المختلفة لتفسير ما يتم ملاحظته. كان هناك بعض المعارك الفكرية العقلية على مدى آلاف السنين، وفيما يلي عشرة معارك أكاديمية كانت نتائجها السبب في تغيير العالم لما نعرفه اليوم.

10-حقوق الملكية الفكرية ضد الطبيعة: هل يمكن لأي أحد أن يمتلك الحياة؟

يستمر الجدال في وقتنا الحالي بين الأبحاث البيولوجية والمجتمع حول تسجيل براءات الاختراع في الجينات وجينوم الكائنات الحية. ففي عام 1980 قامت المحكمة العليا في الولايات المتحدة بمنح أول براءة اختراع حول بكتيريا معدلة وراثياً ثم أصبح هناك تدافع للحصول على براءات الاختراع حول “منتجات الطبيعة”. وهكذا أصبحت براءات الاختراع تصدر عن اكتشاف أنواع نباتية وحيوانية جديدة حتى وإن لم تكن معدلة وراثياً. كما أن تتابعات الجينات المعزولة والمستنسخة التي تحمل شفرة بروتينات مفيدة أصبحت قابلة لأن تكون براءة اختراع في حد ذاتها، على الرغم من حقيقة أنها موجودة على مدى واسع في الطبيعة. هذا الموقف الشرعي والتجاري أدى إلى حصول الكثير من شركات الأدوية على براءات الاختراع في الجينات، المنتجات الجينية وحتى في أشياء مثل الفيتامينات.

بعض السكان الأصليين اكتشفوا أن الشخص الغريب الذي أخذ عينة الدم منهم يمتلك الآن الجينوم الكامل الخاص بهم! ففي بدايات التسعينيات من القرن الماضي حاولت معاهد الصحة القومية الحصول على براءة اختراع أكثر من ألفي تتابع جيني بواسطة العالم كرايج فينتر أثناء مشروع الجينوم البشري وبالرغم من ذلك لم يعرف أي من فينتر أو المعاهد الصحية ماهي وظيفة هذه التتابعات.

ومع ذلك فإن هذا الجدال لن يستمر طويلاً، وصناعة التكنولوجيا الحيوية تخاطر بخسارة الدعم العام لها بسبب صرف نظرها عن النواحي الأخلاقية المهمة.

9- نظرية الحالة الثابتة ضد نظرية الانفجار العظيم: مصطلحات هويل الازدرائية.

في عام 1912-قبل أن ينشر أينشتين نظريته النسبية العامة بثلاث سنوات فقط- قام فيستو سليفر بقياس تأثير دوبللر (Doppler shift) للمجرات الحلزونية ووجد أن معظم هذه السُدُم السماوية تبتعد عن الأرض بسرعة كبيرة جداً. وبعد عقد من الزمن قام إليكسندر فريدمان باشتقاق معادلة رياضة من النسبية العامة توضح أن الكون يمكن أن يتمدد. بعدها بسنتين قام جورج لومايتر بجمع كل هذه الأعمال معاً وتوقع أن انهيار أو اختفاء السُدُم البعيدة هو بسبب تمدد الكون.

فريد هويل هو من صاغ مصطلح الانفجار العظيم في عام 1949 ليصف فكرة أن الكون كانت له بداية- مصطلح ازدرائي ساخر ولكنه لاقى قبولًا أكثر من نموذجه الكوني والذي أسماه “الحالة الثابتة”. افترض هويل أن هناك مادة جديدة يتم خلقها مع تمدد الكون، لذلك تبقى المادة كما هي تقريبًا في أي فترة من الزمن. وفي عام 1964 أكد إشعاع الخلفية الكونية من الموجات الدقيقة أن الانفجار العظيم أصبح النموذج الكوني القياسي بعد نصف قرن من الجدال العلمي ومعارك أصحاب النظريات.

8- أينشتين ونظرية الكوانتم: إله المقامرة.

“الله لا يلعب النرد مع الكون” قال هذه الجملة الرجل الذي أصبح أيقونة في الفيزياء بسبب نظريتيه: النسبية العامة والخاصة، ألبرت أينشتين. في عام 1927 بدأ أينشتين سلسلة من المناظرات مع مستكشف الكوانتم نيلز بور حول أهم مبدأ في هذه النظرية وهو اللاحتمية (عدم اليقين) وعن أساسها المعرفي وتفسيرها ومدلولاتها. كان هذا الجدال يدور حول ما يعرف بمشكلة القياس وعن صحة أو خطأ فرضية الازدواجية التي تنص أن الجسيمات في حالة الكوانتم هي عبارة عن موجات وجسيمات معاً في نفس الوقت حتى تتم عملية القياس. أراد أينشتين أن يثبت أن اللاحتمية في الكوانتم ماهي إلا عجز مؤقت عن قياس خصائص محددة بينما احتفظ بور باستحالة تحديد قيمة دقيقة لهذه الخصائص لأنه على مستوى الكوانتم تكون القيم بطبيعتها غير أكيدة.
في النهاية فاز بور على ضوء النتائج الملفتة لتجربة أينشتين وبودلسكي وروسن ((EPR والتي نشأت من هذه المناظرات وأسست ظاهرة الطبيعة اللامحلية (quantum non-locality) والتي يدعوها أينشتين بـ “الفعل الشبحي عن بعد”.

7- تسلا ضد إديسون: (عظائم التيار المتردد والمستمر)

في عام 1856 ولد لنا في كرواتيا طفلاً والذي أصبح عبقرياً ولغزاً في وقت كان يشهد فيه العالم تغيرًا علميًا تقنيًا واجتماعيًا كبير، هذا هو بالتأكيد نيكولا تسلا صاحب الشغف الكبير بالكهرباء والمغنطيسية (الكهرومغناطيسية).

في مطلع القرن العشرين وبعدما كبر تسلا سافر إلى أمريكا وعمل كمساعد للعبقري توماس إديسون الأمريكي الأصل، ولكن كانت هناك منافسة بينهما والتي أصبح أمرها أمر الأساطير العلمية في ذلك الوقت. في عمله قام تسلا بتصميم التيار الكهربي المستمر (DC)لصالح إديسون ولكن الأخير رفض أن يدفع له العلاوات كما وعده مما أثار غضب تسلا فقرر الاستقلال ليعمل على تطوير التيار الكهربي المتردد (AC).

في عام 1915 نشرت صحيفة الـ “نيو يورك تايمز” تقريراً تفيد فيه أن جائزة نوبل في الفيزياء لهذا العام سيتقاسمها كل من تسلا وإديسون ولكن بسبب عداوتهم الشرسة رفض كل منهم الجائزة طالما سَيُذكَر اسم الاخر. لذلك ذهبت نوبل إلى اثنين من الباحثين لأعمالهم على الأشعة السينية لدراسة البلورات.
مات تسلا مفلساً عام 1943 في الولايات المتحدة ولكن حكايته لم تنتهي بموته. فبعد وفاته بستة أشهر أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكماً ببطلان حصول أهم اختراع لماركوني في بث موجات الراديو، واعترفت بتسلا كصاحب لهذا الاختراع.

6- جدل العصر الديفوني: تمهيد طريق داروين.

لقد بَشّرَ القرن التاسع عشر بتقدم كبير في النظريات العلمية ومن ضمنها ما نشره شارلز داروين عام 1895 وهو كتابه “أصل الأنواع”. إن فكرة التطور كانت تظهر في المجتمع العلمي أحياناً، ولكن كانت هناك معسكرات متحيزة لفكرة الخلق المباشر التقليدية وفكرة وراثة الصفات المكتسبة ضد فكرة الاستدلال من الجدول الزمني للأرض على تحول وتغيُر أشكال الحياة خلال فترة طويلة من الزمن. إن نظرية داروين عن الانتخاب الطبيعي تمتعت بدعم متزايد من العلم حيث أن الجدال حول المعلومات الجيولوجية تطوّر خلال ثلاثينيات القرن التاسع عشر ليوضح أن الطبقات الأرضية التي تحتوي على حفريات مختلفة لها أعمار مختلفة عن بعضها ويتم تحديدها طبقاً لأنواع الحفريات الموجودة بها. ولقد عمل داروين -قبل رحلته إلى جزر الجالاباجوس- مع الجيولوجي آدم سيدجويك ووجد أن نظريته تعتمد علي علم الطبقات حيث أنه علم لاقى قبولًا جماعيًا من الوسط العلمي في السنوات السابقة للتطور. ونتيجة لهذا الجدال ونظرية داروين تطور بدأ نوع جديد من البحث وهو البحث عما عُرف بـ “الحفريات الانتقالية” ومازال هذا البحث مستمر حتى يومنا هذا.

5- نيوتن ضد ليبنز:

لقد كان السيد اسحاق نيوتن محاربًا عقليًا له سمعة كبيرة ولم يكن خجولاً أبداً من أن يسيطر أو يأخذ الأفكار والمعلومات من الآخرين دون إسناد. وكانت المعركة بين نيوتن وجوتفريد ليبنز على من هو مكتشف علم التفاضل والتكامل من أشهر المعارك على الإطلاق. في الواقع كان ليبنز هو أول من نشر أبحاث عن علم التفاضل والتكامل بشكل غير قابل للجدال وذلك قبل نيوتن بعشرين عام. ولكن خطابات نيوتن التي كانت تشرح نظريته في علم التفاضل تتزامن بدقة مع أعمال ليبنز، وتلا ذلك ضجة علمية كبيرة أُثيرت بين المؤيدين لكلا الفريقين. فقام ليبنز بمناشدة المجتمع الملكي متيحاً الفرصة لنيوتن كرئيساً له أن يكلف لجنة من أصدقائه لتقصي الأمر، وحتى أن يكتب تقرير اللجنة متهماً ليبنز بعدم الأمانة العلمية.
وفي نهاية الأمر يعطي مؤرخو العلم أحقية اكتشاف علم التفاضل والتكامل لكل من نيوتن وليبنز، ربما لأن كل منهما لم يجادل حول الأمر كثيراً.

4- جاليليو ضد الكنيسة: جيرتنا المشمس.

في عام 1610 قام جإليليو جإليلي بنشر ملاحظاته باستخدام التليسكوب الخاص به ليجادل بها في صالح نموذج كوبرنيكس الكوني لمركزية الشمس ضد الرأي البطلمي السائد آنذاك (مركزية الأرض). حيث عرض جاليليو التليسكوب الخاص به أمام الكلية اليسوعية ولكنه لاقى مقاومة صغيرة. ففي 1632 نشر بحثه “حوار حول النظامين الرئيسيين للكون” ولكنه سرعان ما وجد أنه تم استدعاؤه للمُساءلة أمام المحكمة بتهمة الهرطقة. وأُجبر جاليليو على التخلي عن دعمه لنموذج كوبرنيكس وقضاء بقية حياته تحت الإقامة الجبرية، ولكن مع ذلك تم التساهل مع في السفر وأُتيحت له الزيارات. في عام 1835 تم إزالة أعمال جاليليو من قائمة الكتب المحرّمة وفي عام 1992 عبّر البابا يوحنا بولس الثاني عن أسفه عن الطريقة التي تم التعامل بها مع أعمل جاليليو، معلناً بذلك تنازلاً رسمياً من الكنيسة أن الأرض ليست ثابتة وأن الكواكب تدور حول الشمس.

3- مارتن لوثر ضد الكنيسة: الإصلاح.

في عام 1517 قام الراهب الكاثوليكي مارتن لوثر بتعليق نسخة من أطروحاته الـ 95 على باب كنيسة القلعة في ويتنبرغ بألمانيا ليجادل ضد مذهب وممارسة بيع صكوك الغفران. هذه الحجج تمت ترجمتها بسرعة من اللغة اللاتينية للّغة الألمانية وانتشرت على نطاق واسع بمساعدة اختراع الطباعة الحديثة في ذلك الوقت وهو ما أدى إلى حرمان مارتن لوثر في عام 1520، وسرعان ما تبع ذلك الإصلاح الكبير. ثم أصدر البابا ليو العاشر رداً على تُهَم مارتن لوثر في ليّ عاطفة ومشاعر الرأي العام. وبالتالي تم ترسيخ جذور الطائفة البروتستانتية كنوع من إعلان الاستقلال عن سيطرة روما. وهو ما أدى بدوره إلى تغيُرات مجتمعية هائلة مُحاذاةً مع اضمحلال الإقطاعية ونشوء النزعة التجارية وكذلك الخلاف بين الكاثوليك والبروتستانت وادعاء امتلاك الأراضي في العالم الجديد.

2- بولس ضد يعقوب الرسول: تعميم الإيمان.

بالتأكيد يُعتبَر مجمع أورشليم (عام 50 بعد الميلاد) من بين أهم الجدالات العقلية حول فلسفة اللاهوت. وكان هذا المجمع بسبب خلاف بين يعقوب البار الإنجيلي والعظيم بولس خلال عقدين من وقت صلب المسيح. وكان الجدال حول ما إذا كان يجب على المسيحيين أن يخضعوا للقوانين اليهودية أم لا. لقد كان يعقوب هو الرئيس الفخري لكنيسة أورشليم بينما كان بولس مشغولاً بإقامة تجمعات مسيحية بين الوثنيين في الجزء المطل على البحر المتوسط من الإمبراطورية الرومانية. ظهرت القضية بشكل مبدئي أن الختان هو شرط للمسيحيين، ومشاكل أخرى متعلقة بالطعام وغيرها، وإن كان بعضها مازال موضع جدل حتى اليوم. كانت نتيجة الإجماع هي فوز بولس بهذا الجدال لذلك ليس على المسيحيين أن يخضعوا للقوانين اليهودية وهو ما تحقق بشخصية المسيح. والباقي-كما يقولون- تاريخ.

1- سقراط ضد الآلهة: انتصار العقل.

لقد ساعدت الفلسفة الرومانية على تشكيل ما وراء الطبيعة عند العالم المتحضر في النصف الأخير من الألفية الأولي قبل الميلاد. كان هناك العديد من المدارس الفلسفية المتنوعة التي تتنافس مع بعضها في الوقت الذي جاء فيه السفسطائيين مع الحفاظ على أن الحقيقة هي شيء متعلق بالجدل المقنع أكثر من أن تكون شيء مطلق. لقد نشأ سقراط بين صفوف السفسطائيين وأصبح مشهوراً في إدارة النقاش بشكل جيد لدرجة أنه صنع له أعداء من ذوي النفوذ. وأوضح سقراط أن الأخلاق ليست مسألة قدر، ولكنها أفضل نتيجة للعقل البشري والضمير الفردي. ولكنه تُهِم بعدم الإيمان بآلهة الدولة، وإفساد أخلاق الشباب، وأُدين بفارق 6 أصوات من أصل 50. وبالرغم من ذلك عاشت الأدوات العقلية والمنطقية الخاصة به من خلال تلميذه أفلاطون وتلاميذ أفلاطون لتصبح جزء من الفلسفة التوجيهية في عصر التنوير والعلم.


المترجم: ديفيد فرج

المصدر

إعداد ديفيد فرج

ديفيد فرج

طالب بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا .. عاشق للفيزياء وعلوم الكون .. مهتم بالتاريخ وخاصة التاريخ المصري الفرعوني .. محب للموسيقي والفنون ومطلع علي الآداب .. متطوع كعضو (Fundraising) في Enactus zewail city